تعالوا نصدِّق
"إحتربت حتى فاضت دماؤها ـ تذكرت القربى ففاضت دموعها"… هكذا إذن يا إخوان، أطلقت أخيراً الدعوات الى العرس وصار المؤجل عاجلاً والمؤبد مؤقتاً والمستحيل واجب التحقيق والانجاز. فدقّوا على الصدور وانتظروا الآتي.
وانطلاقاً من هذه "العباطة"، وهي التي تحمل بدورها منطقها وكلامها وسياقها، يُقال وتحت سقفها: كم من دموع ودماء حفظتها وتحفظها المصالحات والمصافحات واللقاءات المعقودة بين اللبنانيين على صلة الروح والعروة الوثقى… ألم يبدأ ذلك في اليوم المشهود الذي ما حصل مثله من قبل في التاريخ الوطني الحديث. يوم 14 آذار ـ 2005 وألم يحصل ذلك أو ما يشبه ذلك عندما أنبتت دماء رفيق الحريري كل هذا القمح والحبق والبخور والزيتون والريحان فوق رؤوس اللبنانيين وفي عقولهم وقلوبهم التي كادت تيبس من قهرها وتطق من يأسها وسخطها وكآبتها وقلقها وحزنها وغضبها وتشاؤمها غداة جريمة الاغتيال… ألم تكن الرسالة الأولى التي بعثها من قتله الى اللبنانيين، تُفيد بأن زمن الشوك والصبّار والزفت والملح والحصار لم ينتهِ بعد ولن ينتهي قريباً، وان عليكم تأجيل كل حلم بالأمن وكل احتفال بالسلم وتطلقوا النار على كل سنونوة تخالف قرار المنع ذاك وكل كنار يتحدى حظر الحياة، و"تشلّعوا" كل ما على شرفات بيوتكم من طرابين فل وأعراس وأفراح، وان عليكم الركون والانصياع تحت طائلة السيارة المفخخة والرصاصة الموبوءة والشعارات الآتية والمقيمة في طواحين الاستبداد والعجز والمكابرة، و"تشليع" كل ما في الانسان من كرامة وعزّة نفس وإباء روح ورفعة حسب ونسب…
ألم تكن هي الرسالة التي أرادوا أن "يطيشروا" حروفها كالأسيد على اللبنانيين وبلدهم، وألم تكن تلك هي الرسالة التي أُختطت في دهاليز البؤس والعسف، وحِيكت بأصابع الشيطان، ونُسِجت على نول الكيد وسُبِكت في مصاهر الحقد والتعدي على أملاك الغير وأراضيهم وكراماتهم وشرفهم وأشرافهم وكبارهم وروادهم وعمالقتهم…
ألم تكن هي الرسالة التي كادت تصبح سيرة عيش أهل هذا البلد والى الأبد؟ وأليست هي ذاتها الرسالة التي ما زالت تُقرأ من قبل بعض الناطقين المحلَّفين بإسم الشقيقة ومصالحها… قارعي طبول التفرقة والدس، ضاربي تنك الشيمة، مطلقي أهازيج الفتن، نافخي سم الأفاعي، منظري تشويه الحقائق والتواريخ، غربان المزابل والجيف؟
يعني هكذا يا إخوان، وبكل "عباطة" اللحظة ونشوتها، وبغض النظر عن السياسات الصغيرة والكبيرة، التكتيكية والاستراتيجية، المحلية والاقليمية والدولية، وبغض النظر عن ذلك وعن الضرب بالفنجان والتبصير والتنظير، يريد اللبنانيون، كل اللبنانيين، ان يصدقوا ما يسمعوه، وأن يطلقوا مكنونات الصدور من آهات فرح مكبوت ومؤجل ومقصوف… يريدون أن يصدّقوا، ان الدنيا تكفيهم وأن الحياة تليق بهم وأنه آن الأوان للافاقة من الخدر وآن أوان التواضع وآن أوان إنزال مشاريع لا تحملها الجبال عن أكتافهم بعد أن ناءت وناء معها أرز بلادهم بما يكفي على مدى عقود ثلاثة وأكثر.
يريدون أن يصدقوا أن العمر موَّال فرح وأن الوطن الذي مات من أجله رفيق الحريري سيحيا والى الأبد.