#adsense

صفقة سرية سورية – إيرانية حول النووي والعلاقة مع إسرائيل

حجم الخط

صفقة سرية سورية – إيرانية حول النووي والعلاقة مع إسرائيل
دمشق: وفد مشترك سوري – لبناني للتفاوض مع إسرائيل

"تم التوصل أخيرا الى تفاهمات سرية بين القيادتين السورية والايرانية، مختلفة في مضمونها عن مواقفهما المعلنة، وتتناول خصوصا تأمين الدعم السوري لسعي الجمهورية الاسلامية الى امتلاك السلاح النووي في مقابل تأمين الدعم الايراني للانفتاح السياسي السوري على اسرائيل، وذلك بعدما قدم الرئيس بشار الاسد مجموعة تعهدات الى المسؤولين الايرانيين ابرزها ثلاثة:

اولا، لن يوقع اي اتفاق سلام مع اسرائيل في توقيت غير ملائم لايران وبما يؤدي الى اضعاف الموقف التفاوضي الايراني مع الدول الكبرى في شأن البرنامج النووي.

ثانيا، سيواصل امداد "حزب الله" بالاسلحة المختلفة لتمكينه من مساندة ايران في اي مواجهة محتملة بينها وبين اسرائيل او بينها وبين الولايات المتحدة.

ثالثا، رفض تبني الموقف الفرنسي – الاوروبي – الاميركي – الدولي وعدم الوقوف على الحياد في النزاع النووي القائم بين ايران والدول الكبرى بل سيقف بجانب الجمهورية الاسلامية وسيدعم باستمرار مساعيها لتطوير برنامجها النووي وفقا لما تراه ملائما لمصالحها الحيوية".
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع في باريس، استنادا الى معلومات حصلت عليها من طهران ودمشق اثر المحادثات والاتصالات التي جرت اخيرا بين القيادتين السورية والايرانية.

واوضحت المصادر ان هذه التعهدات السورية المقدمة الى الايرانيين تعني ان التحالف بين سوريا وايران اقوى واكثر صلابة مما يعتقده الذين يراهنون في الغرب على وجود "فرصة جيدة" لابعاد نظام الاسد عن القيادة الايرانية، كما ان هذه المعلومات تشير الى ان نظام الاسد يراهن سرا على احتمال امتلاك ايران السلاح النووي في مستقبل قريب وهو ما سيؤمن له مظلة حماية نووية ويعزز الموقع التفاوضي لهذا النظام في تعاطيه مع الدول الكبرى المؤثرة وكذلك مع اسرائيل.

واكدت المصادر الاوروبية المطلعة ان التعهدات التي قدمها الاسد الى القيادة الايرانية تتضمن المسائل والنقاط الاساسية الآتية:
اولا، اكد الاسد ان النظام السوري لم يعقد المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل عبر الوسيط التركي، ولن يدخل في عملية التفاوض المباشر مع الدولة العبرية من اجل فك تحالفه مع ايران واضعاف النظام الايراني اقليميا ودوليا. واذا كان هذا هو هدف الاسرائيليين والغربيين فانه ليس هدف سوريا، بل ان النظام السوري يريد ان تكون هذه المفاوضات مع اسرائيل او مع فرنسا واي دولة اخرى مصدر قوة له ولحلفائه وليس مصدر اضعاف له ولحلفائه.
ثانيا، تتحرك القيادة السورية في تعاطيها واسرائيل على اساس ان التحالف السوري – الايراني ليس موضع مساومة، وان سوريا ليست لديها اي مصلحة في تغيير علاقاتها وتحالفاتها الاقليمية سواء مع ايران او مع "حزب الله" والتنظيمات الفلسطينية من اجل ارضاء اسرائيل وتأمين مصالحها في المنطقة. وكل ما يشاع اعلاميا هو نقيض ذلك وما يردده المسؤولون الاسرائيليون والغربيون ليست له علاقة بالموقف السوري الحقيقي المتمسك بتحالفه الوثيق مع ايران وتضامنه معها بقطع النظر عن مصير المفاوضات مع الدولة العبرية.

ثالثا، من مصلحة سوريا وحلفائها استعادة الجولان المحتل عبر المفاوضات مع اسرائيل وليس عبر الحرب المدمرة لان تحرير الجولان بالوسائل الديبلوماسية يعزز مواقع نظام الاسد وعلاقاته الاقليمية والدولية مما يشكل مصدر قوة لايران ولحلفاء دمشق الآخرين. واذا ما تعززت علاقات سوريا مع اميركا والدول الغربية نتيجة المفاوضات مع اسرائيل فان ذلك سيكون لمصلحة ايران اذ ان نظام الاسد يستطيع حينذاك تشجيع الاميركيين والغربيين على التوصل الى تفاهمات مع القيادة الايرانية تكون ملائمة لها ولمصالحها.

رابعا، تتعهد القيادة السورية اطلاع القيادة الايرانية على كل مراحل عملية التفاوض مع اسرائيل وما سيتم خلالها، كما فعلت حتى الآن، لكي يعرف المسؤولون الايرانيون حقيقة ما يجري فعلا وبقطع النظر عما يتم الترويج له اعلاميا. ومن الضروري التأكيد ان عملية التفاوض مع اسرائيل ليست مضمونة النتائج وليس ممكنا تحديد مصيرها في ضوء حصيلة المفاوضات غير المباشرة الجارية عبر الوسيط التركي.

خامسا، تتعهد القيادة السورية عدم اتخاذ اي خطوة حاسمة في عملية التفاوض مع اسرائيل قبل التشاور والتفاهم في شأنها مع ايران، كما تتعهد عدم توقيع اي اتفاق سلام مع اسرائيل قبل ان يتم التوصل الى "تفاهم ما" بين ايران والدول الكبرى في شأن البرنامج النووي الايراني وذلك من اجل عدم اضعاف الموقف الايراني التفاوضي. وستظل سوريا بجانب ايران في معركتها الديبلوماسية مع الدول الكبرى الى ان يتم تحقيق "اختراق ما".
سادسا، يتعهد النظام السوري مواصلة تأمين ارسال الاسلحة الضرورية الى حزب الله لتعزيز قدرته الحربية وبحيث يقوم هذا الحزب بدور مساند لايران عسكريا في حال تعرضت منشآتها النووية والعسكرية لهجوم اسرائيلي او اميركي، وهو ليس مستبعدا اطلاقا في الحسابات السورية. وفي حال نشوب هذه الحرب فان سوريا لن تشارك فيها مباشرة الى جانب ايران وذلك لحماية اراضيها ومنشآتها من اي هجمات اسرائيلية، لكنها ستؤمن في المقابل كل انواع الدعم لـ"حزب الله" كي يتولى هو ضرب اهداف داخل اسرائيل انطلاقا من لبنان مما يفجر حينذاك ازمة اقليمية – دولية قد تمهد لمفاوضات بين الدول المعنية وقد تؤدي، في تقدير دمشق، الى تفاهمات ايرانية – سورية – دولية – اقليمية جديدة تؤمن مصالح النظامين السوري والايراني.

واكدت المصادر الاوروبية المطلعة انه تم التوصل، نتيجة تعهدات الاسد هذه، الى تفاهم سري سوري – ايراني في شأن عملية التفاوض مع اسرائيل بحيث تؤمن القيادة الايرانية تغطية سياسية لهذه المفاوضات فتمتنع مع حلفائها عن اتخاذ اي مواقف او القيام باي أعمال تحرج النظام السوري او تضعف موقفه التفاوضي. وقد تقبلت القيادة الايرانية تعهدات الاسد هذه لانها على اقتناع بان النظام السوري سيفضل في محاولاته استعادة الجولان المحتل عبر التفاوض مع اسرائيل.

دعم سوري لايران النووية

وفي هذا المجال اكدت المصادر الاوروبية المطلعة ان الاسد، خلافا لما يعتقده الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، لن يقوم باي مسعى لاقناع القيادة الايرانية بوقف عمليات تخصيب الاورانيوم في اراضيها وسائر النشاطات التي ستسمح لها بانتاج السلاح النووي وامتلاكه، كما تطالب الدول الكبرى، كما ان الاسد لن يحاول اقناع الايرانيين بالتعامل جديا مع تحذيرات ساركوزي بان الوقت ليس لمصلحتهم وبان ثمة احتمالا جديا لان تفاجئ اسرائيل العالم وتضرب المنشآت النووية الايرانية.

واوضحت المصادر ذاتها، استنادا الى المعلومات التي حصلت عليها من طهران ودمشق، ان الاسد يتبنى كليا موقف ايران النووي، وهو لذلك يرى ان "من حق" الايرانيين مواصلة عمليات تخصيب الاورانيوم في اراضيهم، خلافا لما تطالب به الدول الكبرى واربعة قرارات صادرة عن مجلس الامن استنادا الى الفصل السابع. كما ان الاسد يتبنى وجهة النظر الايرانية القائلة ان الجمهورية الاسلامية ليس لديها برنامج نووي عسكري بل ان برنامجها النووي هو لاغراض مدنية وسلمية، في وقت تؤكد فرنسا والدول الغربية الكبرى الاخرى ان الايرانيين يسعون جديا وبكل تصميم الى امتلاك السلاح النووي مما يشكل تهديدا كبيرا للامن والسلاح في الشرق الاوسط والعالم. ويرى الاسد، ايضا، ان الدول الكبرى يجب ان تتخلى عن موقفها "المتشدد" هذا حيال ايران و"تقتنع" بان البرنامج النووي الايراني هو لاغراض سلمية وليس عسكرية، وتتفاوض مع القيادة الايرانية على هذا الاساس، ومن دون وضع شروط مسبقة، او مطالبتها بوقف تخصيب الاورانيوم في اراضيها.

وهذا كله يعني ان الاسد ليس هو الزعيم السياسي الذي يعلق عليه ساركوزي الآمال لاقناع القيادة الايرانية بضرورة التخلي عن خططها لامتلاك السلاح النووي.

وفد لبناني – سوري للتفاوض مع اسرائيل

ضمن هذا الاطار كشفت المصادر الديبلوماسية الاوروبية المطلعة الاسباب الحقيقية الخفية التي دفعت الاسد الى ان يعلن في مؤتمر صحافي اثر انتهاء اعمال القمة الرباعية في دمشق مطلع ايلول الجاري، انه تحدث مع الرئيس اللبناني ميشال سليمان عن ضرورة دخول لبنان في عملية التفاوض مع اسرائيل لدى الوصول الى المفاوضات المباشرة بينها وبين سوريا وان الرئيس اللبناني متفق معه حول هذه المسألة. وقد اثار هذا الاعلان السوري الكثير من التساؤلات وردود الفعل السلبية في لبنان مما دفع الرئيس سليمان الى نفي التوصل الى اي اتفاق مع الاسد حول التفاوض مع اسرائيل، اذ انه ابلغ الى مجلس الوزراء "ان المسائل العالقة بين لبنان واسرائيل ليست خاضعة للتفاوض بل محكومة بقرارات دولية يجب تنفيذها بلا قيد او شرط".
واكدت المصادر الاوروبية المطلعة ان ثلاثة اسباب دفعت الاسد الى اعلان هذا الموقف:

اولا، يريد الاسد باعلانه هذا تأجيل البحث في مصير منطقة مزارع شبعا المحتلة الى حين بدء المفاوضات بين لبنان واسرائيل، من اجل التهرب من تنفيذ المطالب اللبنانية والدولية المقدمة اليه والتي تدعوه الى تكريس لبنانية مزارع شبعا رسميا وخطيا لتسهيل استعادتها بالوسائل الديبلوماسية وعبر الامم المتحدة ومن دون الحاجة الى اجراء مفاوضات بين لبنان واسرائيل. وهذا يعني ان النظام السوري يفضل دفع لبنان الى التفاوض مع اسرائيل بدلا من ان يساعد هو اللبنانيين على استعادة ارضهم المحتلة من دون مفاوضات.

ثانيا، يريد الاسد باعلانه هذا تأكيد تصميمه على ربط مصير شبعا بمصير الجولان المحتل وذلك بقرار يتخذه هو ويريد املاءه وفرضه على اللبنانيين. ذلك ان المفاوضات المباشرة السورية – الاسرائيلية لن تبدأ فعلا قبل ان يحصل السوريون على ضمانات رسمية بان اسرائيل مستعدة للانسحاب من الجولان بشكل كامل والى حدود 4 حزيران 1967، وقبل مجيء ادارة اميركية جديدة. ويريد الاسد ابقاء شبعا ورقة مساومة في يديه بانتظار تحقيق مطالبه ومصالحه.

ثالثا، يريد الاسد باعلانه هذا التمهيد للمطالبة لاحقا بتشكيل وفد مشترك لبناني – سوري للتفاوض مع الاسرائيليين حول مصير الجولان وشبعا وسائر القضايا العالقة وكذلك حول سبل تحقيق السلام، مما يتيح المجال للنظام السوري لكي يتدخل حينذاك مباشرة في قضايا لبنانية مهمة كمصير سلاح "حزب الله"، ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين.

لكن ما حدث هو ان موقف الرئيس سليمان الرافض التفاوض مع اسرائيل والمتمسك بتحقيق السلام على اساس مبادرة السلام العربية، وهو موقف مدعوم لبنانيا على اوسع نطاق، احبط خطط الاسد هذه، على الاقل في هذه المرحلة.
ويبدو من ذلك كله ان نظام الاسد لم يبدل سياساته وتوجهاته فعلا، كما يأمل ساركوزي وآخرون، بل انه لا يزال حريصا على الاحتفاظ بتحالفه الوثيق مع ايران المتشددة، ومصمما على التدخل في الشؤون اللبنانية لمحاولة املاء مطالبه وشروطه على اللبنانيين، وتقرير مصير لبنان، وتحديد خياراته، متجاهلا استقلاله وسيادته.

المصدر:
النهار

خبر عاجل