#adsense

المصالحة مع “حزب الله” بدأت من النجف وتكرّست في طرابلس

حجم الخط

"الاستقراريون الآن": الشكل الذي اتخذه الاستقلال الثاني بعد الدوحة وانتخاب سليمان
المصالحة مع "حزب الله" بدأت من النجف وتكرّست في طرابلس

الضربة الأمنية التي وجّهت إلى الجناح المسلم من مشروع الاستقلال الثاني في أيّار الفائت كانت من نوع يفرض تحدّياً فاصلاً: فإما أن يضعف هذا الجناح ويترهّل المشروع الاستقلالي من ورائه ويتشظّى إذا ما ارتأى خوض "حرب استنزاف لإزالة آثار العدوان"، وإما أن يتقوّى هذا الجناح ويشدّ كل المشروع الاستقلالي من حوله إذا ما التقط مطلب "الاستقرار" وطرحه حجّة على الجميع، ليس فقط لأن "شروط المواجهة غير متوفّرة"، بل لأن مطلب الاستقرار تحوّل إلى موضع إجماع شعبيّ غير مسبوق بعد 7 أيّار، وصار المتورّط بالخروج عنه قولاً وفعلاً نابذاً لنفسه من دائرة السياسة الجدّية.

ما كان مطلب "الاستقرار" لينال كلّ هذه الشعبية لو أن الأمور العسكرية ظلّت تتصاعد في أيّار الفائت ولا تجد من يوقفها. الاستفاقة من الكابوس لحظة توقيع اتفاق الدوحة أعادت تذكير الجميع بأن البلاد أرزاق وأن الاستقلال استقرار أولاً وأن ثقافة الحياة ليست "استشهادية" في مواجهة ثقافة الموت، بل إنها تسعى لتبديل الأخيرة بالتي هي أحسن وبعدم أسر الذات في المستعصي من أمور.

وفي المقابل ما كان مطلب "الاستقرار" ليزيد ويزيد من رصيده بين الناس لولا أن مرحلة ما بعد صلح الدوحة لم تشهد حرائق متنقلة بين المناطق تحمّلت مدينة طرابلس وزرها الأكبر. صحيح أن هذه الحرائق المتنقلة ظلّت محدودة قياساً على حريق كان ينذر بإشعال البلد برمّته في أيار، إلا أن مجرّد تكرارها ظلّ يستعجل الناس بأن الكابوس ما زال يلاحقهم وأنّ عليهم الاستفاقة منه من طريق رفع راية الاستقرار.

بهذا المعنى دُعي الاستقلاليون بعد الدوحة، وبالأخص بعد انتخاب رئيس للجمهورية يلعب هو الآخر وبإتقان ورقة الاستقرار، إلى أن يكونوا "الاستقراريين الآن"، وهو أمر سلك دروباً متمايزة على الصعيدين الدرزي والسنّي تبعاً لتمايز حجم ومغزى ونتائج الضربة الأمنية بالنسبة لهذين الصعيدين، ولأن المصالحة الدرزية ـ الدرزية جاءت فورية منذ امتدت الضربة الأمنية إلى الجبل، وهي لاحقاً أمنت الطريق لانفراج على خط "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"حركة أمل"، ثم وابتداء من استقبال عميد الأسرى المحرّرين سمير القنطار، انفراجاً على خط العلاقة مع "حزب الله".

أما "الاستقراريون الآن" من الجهة السنية، فكانت مهمّتهم أصعب ومن نوع آخر: التشديد على أن "تيّار المستقبل" سيبقى من طبيعة مختلفة لتلك التي يقوم عليها بنيان "حزب الله" وبالتالي سيبقى تياراً سلمياً يستمد مشروعيته من انجازات الرئيس الشهيد رفيق الحريري العمرانية ومن تضحيته الكبرى في سبيل استقلال لبنان. هذا التشديد هو السبيل لاحقاً لإعادة التلاقي مع "حزب الله" وعلى قاعدة الاعتراف المتبادل بين من هو الأول بين السنّة وبين من هو الأول بين الشيعة، لأن الأمور لا تختلّ في لبنان إلا ساعة يكابر المرء على الوقائع المذهبية والطائفية.

و"الاستقراريون الآن" من بين السنّة اللبنانيين كانت مهمّتهم بحجم العالم العربي. فهذا العالم العربي يعيش مفارقة منذ سنوات: يرتاح شعبياً لظاهرة "حزب الله" المقاومة، لكنّه يعيش هاجس تمدّد "الهلال الشيعي" في الوقت نفسه. أما "حزب الله" فيرتاح لما يتناهى إليه من شعبية في الشارع العربي، لكنه كان يحسب أن رصيده هذا يعفيه من ضرورة الانتباه من أيّ انزلاق في الفتنة المذهبية في لبنان.

لأجل ذلك، فإن ما قام به "الاستقراريون الآن" كان معالجة للمسألة من جانبيها:
أولاً، بالانفتاح المدهش على التجربة الوطنية العراقية، وتأكيد أن التزام منطق الدولة الوطنية في كلّ من لبنان والعراق من شأنه أن يبدّد جميع الهواجس حول "هلال شيعي" ومن شأنه مصالحة اللبنانيين والعراقيين مع عروبة صادرتها التجربة البعثية في البلدين.
وثانياً، بإطلاق العجلة السنية للمصالحات الأهلية من طرابلس بالذات. فما بدا أنه جرح سنّي ـ علوي متواصل منذ الثمانينيات، وبدا أنه جرح مرهون بطبيعة التركيبة الطائفية في سوريا، جرى التمكّن من مداواته لبنانياً. وكما حسم سنّة طرابلس خيارهم اللبنانيّ، حسم العلويون بشكل نهائي انتماءهم اللبنانيّ: طائفة لا جالية.

ليس يمكن تتبع مسار الأمور بين "تيار المستقبل" و"حزب الله" من دون الانطلاق من هذا البعد الإقليمي الذي أشّرت له زيارة النائب سعد الحريري ثم رئيس الوزراء فؤاد السنيورة إلى العراق، وبدون التوقف عند دلالات مصالحة طرابلس. من جهة كان التوجّه إلى شيعة العراق وهم أكبر طوائفه وأكثرية الشيعة العرب، وفحوى هذا التوجّه أن الطائفة الكبرى تجد مصلحتها في التماثل مع منطق الدولة وليس التحوّل إلى جالية. ومن جهة ثانية كان التوجه إلى علويي شمال لبنان وإزالة كل التباس من أي جهة أتى من شأنه أن يتعامل مع علويي لبنان على أنّهم جالية. بناء عليه، فإذا كان "حزب الله" يحتج سريعاً على كل من شأنه تصويره كجالية "ايرانية" أو "فارسية" في لبنان، فإن التوجّه "الاستقراري ـ الاستقلالي" يخدم تحديداً هذا الغرض: إزالة كلّ التباس حول خيارات شيعة لبنان، وحول خيارات "حزب الله" من ضمن شيعة لبنان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل