اعتذر جعجع فمتى يعتذر الآخرون؟
في المهرجان الذي اقامته "القوات اللبنانية الاحد 21/9/2008، اطلق رئيس هيئتها التنفيذية سمير جعجع مواقف تناولت قضايا سياسية بعضها تعلق بالوضع الراهن وبعضها أطل على المستقبل واستحضر بعضاً من الماضي.
وفي معرض استحضاره بعض الماضي قدم اعتذاراً عن اساءات نتجت عن سلوك "القوات اللبنانية" امنياً وسياسياً. وكان طبيعياً ان يثير مضمون كلمته ردود فعل سياسية" البعض نظر اليها بكلية ايجابية والبعض الآخر نظر اليها بكلية سلبية. وفي كلا الحالين لم تكن الردود موضوعية. فمن كان في موقع المتحالف ابرز الايجابية ومن كان في موقع المتعارض والمختلف ابرز السلبية… وان تتسم الردود بالاطلاقية فهذا ليس افتقاراً للموضوعية فحسب، بل نزولاً تحت سقف الحوار الهادئ الذي يجب ان يواكب المناخات التي ينظر اليها على انها مناخات ايجابية لتمكين العملية الحوارية من الوصول الى غاياتها المنشودة.
لقد اختلفنا مع "القوات اللبنانية" في كثير من المواقف والخيارات السياسية الداخلية او الخارجية. لكن هذا الخلاف والاختلاف لا يدفعنا لأن نسقط اية ايجابية عند الطرف الآخر، وهو طرف اساسي في معادلة الوضع الداخلي في دائريته الطائفية والوطنية.
وعلى قاعدة هذا المبدأ، وان كنا نختلف مع جعجع في كثير من المواقف التي اطلقها، الا اننا نسجل ايجابية مهمة، هي نقده الذاتي لسلوكيات امنية وسياسية مارستها "القوات اللبنانية". وكنا نتمنى ان تقابل هذه النقلة النوعية في الاداء السياسي نقلة نوعية عند اطراف سياسية شاركت في الازمة، ان من موقع المقرر وان من موقع المتلقي. وعندما يعترف الاطراف المتخاصمون بانهم ارتكبوا اخطاء وهم ينخرطون في ادارة الأزمة اللبنانية، فهي بداية الطريق نحو تلاق على قاعدة اعتراف الجميع بأنهم ارتكبوا اخطاء وتجاوزات، ان في التقدير السياسي وان في التنفيذ العملاني، ولا يمكن لأي طرف انخرط في الأزمة وأياً يكن موقعه وحجمه ان يدّعي انه لم يرتكب اخطاءً عن سابق تصور وتصميم اذا اخذنا بسوء النية، وعرضاً اذا اخذنا بحسب النيات.
لذلك، فإن كل الذين انخرطوا في هذه الحرب التي دارت على أرض لبنان لم يكونوا كلهم ملائكة ولم يكونوا كلهم شياطين وأن احداً لم يكن معصوماً عن ارتكاب الاخطاء التي بعضها وصل الى حد الخطايا.
من هنا، فإن الاعتذار الذي قدمه سمير جعجع مما اعتبره اخطاء او اساءات ارتكبتها "القوات اللبنانية" هي خطوة ايجابية، وهي نقطة لمصلحتها وليس ضدها لأن الاعتراف بالخطأ فضيلة.
فإذا كانت "القوات اللبنانية" طائفية التركيب البنيوي والخطاب السياسي فهي ليست التنظيم الطائفي الوحيد على الساحة اللبنانية، وان كل الذين يناط بهم اليوم ادارة الأزمة انما هم طائفيون وإن تحت مسميات مختلفة.
واذا كانت"القوات اللبنانية" واكبت الازمة منذ تفجرها فإنها لم تكن الطرف الوحيد الذي واكب هذه الأزمة وان تغيرت رموزه.
واذا كانت "القوات اللبنانية" جزءاً من المشكلة فإنها لم تكن المشكلة كلها، لأن اطرافاً اخرى تقاطعت معها وحصل ما حصل في البلد.
وعلى هذا الاساس، فإن"القوات اللبنانية" التي شكلت في بداية تكوينها وانطلاقها تجديداً للشخصية السياسية لما يسمى "المارونية السياسية، فإنها لا تزال موجودة كرقم اساسي في معادلة الوضع الداخلي بدائريته الطائفية واللبنانية، ومن مصلحة لبنان وكل القوى الحريصة على تمكين هذا البلد من استعادة وحدته وحريته وحماية خياراته القومية، ان يسقط مبدأ العزل السياسي الذي جرّب واختبر عقمه، وان ينطلق من قاعدة ان من يكون جزءاً من المشكلة لا بد من ان يكون جزءاً من الحل، وان ينظر الى خطوة "القوات اللبنانية" بأنها خطوة يجب التقاطها وتطويرها وملاقاتها بنقد ذاتي وطلب تسامح، واعتذار عن كل اساءة حصلت بقصد او بدون قصد.
لقد بادرت "القوات اللبنانية" بالنقد الذاتي وتقديم الاعتذار، والمطلوب من الآخرين أيضاً ممارسة النقد الذاتي والاعتذار.
لقد اعتذر سمير جعجع، فمتى يعتذر الآخرون؟