المصالحة المسيحية صعبة لكنها ليست مستحيلة
يكاد الكل في لبنان يجمع على استحالة قيام مصالحة مسيحية – مسيحية، تساعد على تهدئة الساحة المسيحية من نتائج المواجهات القاسية التي تتعرض لها هذه الساحة، امّا عن طريق الخطاب المتفلّت من اي رادع، وامّا عن طريق الحوادث الدامية التي سقط فيها عدد من الشهداء والجرحى، وكأن الكل نفض يديه من القيام بأي جهد لتجنيب الساحة المسيحية المصير الاسود الذي ينتظرها، في حال اشتدت رياح السموم التي تهبّ عليها منذ فترة ليست بالقصيرة، علماً بأن بعض الغيارى على المسيحيين وعلى الوجود المسيحي في لبنان، حاول وأُفشِلَ، كما ان بكركي، وهي المرجعية الوطنية والروحية التاريخية للمسيحيين حاولت، وصدّت، واهينت، وهي اذا بدت اليوم حذرة في الاقدام مباشرة على خطوة تعيد من خلالها ابناءها الى رعاية البطريركية، الاّ انها لم تقف مكتوفة الأيدي، لأن تحرّك الرابطة المارونية التي تعمل بهدي البطريرك صفير وتوجهاته، باتجاه الفاعليات والقيادات المارونية، انما كان بتوجيه ومباركة وتشجيع من سيّد الصرح، وهو يتابع خطواتها وتحركاتها المكوكية عن كثب، ويساعد حيثما تتطلب المساعدة.
جميع الدلائل تشير حتى الآن، الاّ اذا كان للمتربصّين بالساحة المسيحية رأي آخر، ان الرابطة المارونية تسير على طريق معبّدة برغبة كل الذين التقتهم في الوصول الى مصالحة شخصية عند الذين ارتفعت بينهم جدران من العداء وانعدام الثقة، وبنيّة حسنة في التوصل الى تفاهم وتعهّد بعدم اللجوء الى السلاح في اي ظرف من الظروف، ونقل هذا التفاهم، وهذه الروحية الى القواعد الشعبية لكل منهم، وترك الاختلاف السياسي يأخذ مداه الديموقراطي الحرّ.
* * *
الآلية التي وضعتها الرابطة المارونية لتحرّكها، وخطوات تنفيذ هذه الآلية، ما زالت طي الكتمان محافظة على نجاحها من اي محاولات لضربها وتفشيلها، انما يمكن التأكيد ان بداية طريق المصالحة سوف تبدأ من القصر الجمهوري في بعبدا برعاية واشراف الرئيس ميشال سليمان، وسوف تنتهي في بكركي لأخذ مباركة البطريرك صفير عليها، وهذا الأمر مرتبط بالطبع في تفاهم الرابطة مع مختلف الافرقاء على المبدأ اولاً، وقد حصلت عليه من الدكتور سمير جعجع والنائب السابق سليمان فرنجية، وثانياً على مرحلة الحوار في بعبدا، وهل ستكون ثنائية بين جعجع وفرنجية، ثم بين جعجع والعماد ميشال عون، ام ستكون بين الثلاثة معاً، او ستكون رباعية بانضمام الرئيس أمين الجميّل، او موسّعة بانضمام الوزيرين نسيب لحود والياس سكاف، وربما غيرهما، كل هذه التفاصيل كانت مدار بحث بين الرابطة وبين من التقتهم حتى الآن، وطرحت طبعاً مع الرئيس أمين الجميّل والعماد ميشال عون اثناء اللقاء معهما.
ما لا شك فيه، ان مهمة الرابطة المارونية، ليست مهمة سهلة، لأن تراكمات الماضي الأليم، ما زالت حاضرة بقوّة عند البعض، في حين ان البعض الآخر، قد صمم على تخطّيها ووضعها وراء ظهره، والنظر الى المستقبل، ومن هذه الزاوية يمكن تثمين خطوة رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، عندما اعتذر باسمه واسم القوات اللبنانية عن الاخطاء والممارسات والارتكابات التي وقعت اثناء الحرب وطالت ابرياء من الشعب اللبناني، وهو لم ينطق بهذا الاعتذار من موقع ضعف، بل قاله امام عشرات الالوف من محازبيه ومناصريه في مهرجان تكريم شهداء المقاومة اللبنانية، التي قالت عنه الصحف انه الاضخم الذي جرى على الساحة المسيحية، وهذا الامر، يعني في المفهوم السياسي والانساني والاخلاقي ان الرجل يرغب ببدء مرحلة جديدة، خالية من الاحقاد والضغائن، بعيداً عن مآسي الحروب ومهالكها، يتم التنافس فيها في شكل حضاري وديموقراطي وسلمي، ويحترم الرأي الآخر، بعيداً عن الهيمنة والاستئثار والغاء الآخر، ولو أن التعاطي مع هذا الموقف كان بحجم شجاعته، لكانت الساحة المسيحية دخلت فوراً في عهد جديد من السلام الداخلي.
* * *
في مطلق الاحوال، اذا اعتبرنا ان النيّات الحسنة تصنع الحلول الحسنة، يمكن عندها التأكيد بأن الوصول الى المصالحة المسيحية – المسيحية، على الرغم من صعوبتها، الاّ انها غير مستحيلة، خصوصاً ان البديل عن المصالحة، هو المواجهة، وكل الناس يعرفون مدى مأسوية المواجهات على الساحة المسيحية، ومدى الدمار الذي لحق بالانسان المسيحي، ولذلك فان الوجود المسيحي في لبنان، وحتى وجود لبنان كمساحة للايمان الحرّ، والتفكير الحرّ، والممارسة الحرّة، سيكون في مهبّ الريح، اذا استمر الصراع المسيحي الدموي، الذي تعتقد بعض الطوائف انه سيكون في صالحها، ان هو استمر وتوسّع، ولذلك لا بد في نهاية المطاف من عودة العقل الى التفكير المسيحي، والتصرّف المسيحي، ولا بد من العودة الى الايمان بالتعاليم المسيحية، التي اولّها لا تقتل ولا تشهد بالزور، وثانيها احبوا بعضكم بعضاً كما انا احببتكم.
يبقى في النهاية ان نذكّر بعض الشركاء في الوطن الذين يصبّون الزيت على النار ان مستقبل لبنان في ساحة مسيحية ملتهبة سيكون مستقبلاً اسود، وانهم سيكونون تمثيلاً حقيقياً للقول «اكلوا يوم اكل الثور الابيض».