#adsense

المصالحة المسيحية صعبة لكنها ليست مستحيلة

حجم الخط

المصالحة المسيحية صعبة لكنها ليست مستحيلة

يكاد الكل في لبنان يجمع على استحالة قيام مصالحة مسيحية – مسيحية، تساعد على تهدئة ‏الساحة المسيحية من نتائج المواجهات القاسية التي تتعرض لها هذه الساحة، امّا عن طريق ‏الخطاب المتفلّت من اي رادع، وامّا عن طريق الحوادث الدامية التي سقط فيها عدد من الشهداء ‏والجرحى، وكأن الكل نفض يديه من القيام بأي جهد لتجنيب الساحة المسيحية المصير الاسود ‏الذي ينتظرها، في حال اشتدت رياح السموم التي تهبّ عليها منذ فترة ليست بالقصيرة، علماً ‏بأن بعض الغيارى على المسيحيين وعلى الوجود المسيحي في لبنان، حاول وأُفشِلَ، كما ان ‏بكركي، وهي المرجعية الوطنية والروحية التاريخية للمسيحيين حاولت، وصدّت، واهينت، وهي ‏اذا بدت اليوم حذرة في الاقدام مباشرة على خطوة تعيد من خلالها ابناءها الى رعاية ‏البطريركية، الاّ انها لم تقف مكتوفة الأيدي، لأن تحرّك الرابطة المارونية التي تعمل بهدي ‏البطريرك صفير وتوجهاته، باتجاه الفاعليات والقيادات المارونية، انما كان بتوجيه ‏ومباركة وتشجيع من سيّد الصرح، وهو يتابع خطواتها وتحركاتها المكوكية عن كثب، ويساعد ‏حيثما تتطلب المساعدة.

‏ جميع الدلائل تشير حتى الآن، الاّ اذا كان للمتربصّين بالساحة المسيحية رأي آخر، ان الرابطة ‏المارونية تسير على طريق معبّدة برغبة كل الذين التقتهم في الوصول الى مصالحة شخصية عند ‏الذين ارتفعت بينهم جدران من العداء وانعدام الثقة، وبنيّة حسنة في التوصل الى تفاهم ‏وتعهّد بعدم اللجوء الى السلاح في اي ظرف من الظروف، ونقل هذا التفاهم، وهذه الروحية الى ‏القواعد الشعبية لكل منهم، وترك الاختلاف السياسي يأخذ مداه الديموقراطي الحرّ.

‏ ‏* ‏ ‏* ‏ ‏*‏
الآلية التي وضعتها الرابطة المارونية لتحرّكها، وخطوات تنفيذ هذه الآلية، ما زالت طي ‏الكتمان محافظة على نجاحها من اي محاولات لضربها وتفشيلها، انما يمكن التأكيد ان بداية ‏طريق المصالحة سوف تبدأ من القصر الجمهوري في بعبدا برعاية واشراف الرئيس ميشال سليمان، ‏وسوف تنتهي في بكركي لأخذ مباركة البطريرك صفير عليها، وهذا الأمر مرتبط بالطبع في تفاهم ‏الرابطة مع مختلف الافرقاء على المبدأ اولاً، وقد حصلت عليه من الدكتور سمير جعجع والنائب ‏السابق سليمان فرنجية، وثانياً على مرحلة الحوار في بعبدا، وهل ستكون ثنائية بين جعجع ‏وفرنجية، ثم بين جعجع والعماد ميشال عون، ام ستكون بين الثلاثة معاً، او ستكون رباعية ‏بانضمام الرئيس أمين الجميّل، او موسّعة بانضمام الوزيرين نسيب لحود والياس سكاف، وربما ‏غيرهما، كل هذه التفاصيل كانت مدار بحث بين الرابطة وبين من التقتهم حتى الآن، وطرحت طبعاً ‏مع الرئيس أمين الجميّل والعماد ميشال عون اثناء اللقاء معهما.

‏ ما لا شك فيه، ان مهمة الرابطة المارونية، ليست مهمة سهلة، لأن تراكمات الماضي الأليم، ‏ما زالت حاضرة بقوّة عند البعض، في حين ان البعض الآخر، قد صمم على تخطّيها ووضعها وراء ‏ظهره، والنظر الى المستقبل، ومن هذه الزاوية يمكن تثمين خطوة رئيس الهيئة التنفيذية في ‏القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، عندما اعتذر باسمه واسم القوات اللبنانية عن ‏الاخطاء والممارسات والارتكابات التي وقعت اثناء الحرب وطالت ابرياء من الشعب اللبناني، ‏وهو لم ينطق بهذا الاعتذار من موقع ضعف، بل قاله امام عشرات الالوف من محازبيه ومناصريه ‏في مهرجان تكريم شهداء المقاومة اللبنانية، التي قالت عنه الصحف انه الاضخم الذي جرى على ‏الساحة المسيحية، وهذا الامر، يعني في المفهوم السياسي والانساني والاخلاقي ان الرجل يرغب ‏ببدء مرحلة جديدة، خالية من الاحقاد والضغائن، بعيداً عن مآسي الحروب ومهالكها، يتم ‏التنافس فيها في شكل حضاري وديموقراطي وسلمي، ويحترم الرأي الآخر، بعيداً عن الهيمنة ‏والاستئثار والغاء الآخر، ولو أن التعاطي مع هذا الموقف كان بحجم شجاعته، لكانت الساحة ‏المسيحية دخلت فوراً في عهد جديد من السلام الداخلي.

‏ ‏* ‏ ‏* ‏ ‏*‏
في مطلق الاحوال، اذا اعتبرنا ان النيّات الحسنة تصنع الحلول الحسنة، يمكن عندها التأكيد ‏بأن الوصول الى المصالحة المسيحية – المسيحية، على الرغم من صعوبتها، الاّ انها غير مستحيلة، ‏خصوصاً ان البديل عن المصالحة، هو المواجهة، وكل الناس يعرفون مدى مأسوية المواجهات على ‏الساحة المسيحية، ومدى الدمار الذي لحق بالانسان المسيحي، ولذلك فان الوجود المسيحي في ‏لبنان، وحتى وجود لبنان كمساحة للايمان الحرّ، والتفكير الحرّ، والممارسة الحرّة، سيكون في مهبّ ‏الريح، اذا استمر الصراع المسيحي الدموي، الذي تعتقد بعض الطوائف انه سيكون في صالحها، ‏ان هو استمر وتوسّع، ولذلك لا بد في نهاية المطاف من عودة العقل الى التفكير المسيحي، ‏والتصرّف المسيحي، ولا بد من العودة الى الايمان بالتعاليم المسيحية، التي اولّها لا تقتل ولا ‏تشهد بالزور، وثانيها احبوا بعضكم بعضاً كما انا احببتكم.

‏ يبقى في النهاية ان نذكّر بعض الشركاء في الوطن الذين يصبّون الزيت على النار ان مستقبل ‏لبنان في ساحة مسيحية ملتهبة سيكون مستقبلاً اسود، وانهم سيكونون تمثيلاً حقيقياً للقول ‏‏«اكلوا يوم اكل الثور الابيض».

المصدر:
الديار

خبر عاجل