#adsense

حوار ومصالحات بالإبَر والعٍبَر

حجم الخط

حوار ومصالحات بالإبَر والعٍبَر 

مَنْ يسترجعْ تواريخ الحروب في لبنان منذ 1969 (وما قبل) وحتى اليوم، يكتشفْ ببساطة أن "المصالحات" كانت تسابق أحياناً كثيرة جولات المعارك، واستراتيجيات العنف؛ كأنما كل حرب أو معركة كبيرة كانت تحمل معها مشروع مصالحة موقتة لا تلبث أن تنقلب استئنافاً للتقاتل والحروب. كأنما كل مصالحة كانت نذيراً لجولة، أو معبراً الى تجديد صراع، حتى بات اللبنانيون يضعون أيديهم على قلوبهم كلما تبادل "الفرقاء" المتصارعون "تبويس اللحى" أو "دغدغة" الذقون… أو الارتماء بأحضان بعضهم "من الوريد الى الوريد". كانت المصالحات آنئذ، وفي حروب الميليشيات والكانتونات بمثابة "تبرئة ذمة" لهؤلاء وذريعة لإكمال مشاريعهم التقسيمية والتدميرية. ذلك لأن تلك المصالحات البلدية غالباً ما كانت تتم في "حضور" الخارج من أنظمة عربية وغير عربية وأجنبية وصولاً الى الصهاينة، وفي غياب الدولة: أهل الميليشيات يعقدون "هدنة" مع بعضهم يسمونها مصالحة، أو لقاء أو مؤتمراً في ظل غيابْ المواطنة. فأهل الميليشيات كانوا مندوبي محميات "خارجية" يحاورون مندوبي محميات خارجية، بالنيابة عن الأنظمة والتنظيمات الخارجية، وممثلين لدول خارجية كواجهات محلية "يحاورون" ممثلين خارجيين أيضاً. وكأن لبنان كان آخر هموم "أسياد" الحروب وعبيد الخارج. إذاً كانت الارادة برانية، والدولة غائبة، والمواطنية ذائبة في فضاء قوى الأمر الواقع. فأي لقاء من هذه اللقاءات لا يكون تجديداً للفراق، وأي اتفاق لا يكون موجهاً ضد الدولة، وأي "ميثاق" لا يكون ضد المواطنية نفسها.

فهل ترى يتكرر الأمر اليوم؟ فبعد كل المحاولات الانقلابية التي قامت بها القوى في 8 آذار، وكل المعارك، والغزوات، والفوضى، والاقتحامات، وضرب الدولة، والاقتصاد، والتهديد، وتغطية الاغتيالات والتخوين، وإثارة الفتن المذهبية على أنواعها، اليوم هناك "مسبحة" مصالحات تكر، ومشاريع حوار تستعاد: عال! نقولها لأن قبول مثل هذه المبادرات بات "قدراً" علينا برغم كل شيء: والخلاص بات هاجساً برغم كل شيء. حزب الله يشجع المصالحات التي قام بها الشيخ سعد الحريري في طرابلس والبقاع… وها هو يتقدم أخيراً للمصالحة مع تيار "المستقبل" بعدما سبقه الجبل بمصالحة جنبلاط وارسلان… عال! وها هو حزب الله وقد عَدَّل من سحنه المقطبة الجباه، ورحرح أساريره، ورقق نبرته، ولطَّف لهجته، منخرطاً كما يقول في المصالحات، وكان أول غيثه في قريطم مع تيار المستقبل… ليتوّج لاحقاً بلقاء بين السيد نصرالله والشيخ سعد الحريري. المصالحات على قدم وساق عال! ولو فرادى، ولو بالمفرق: جنبلاط يتصالح مع ارسلان، حزب الله مع المستقبل، المستقبل مع بعض فاعليات طرابلس من الطرف الآخر… إنما كل على حدة. لكن لا 14 آذار كلها باتت منخرطة في المصالحة مع عون ولا مع حزب الله، ولا جعجع وفرنجية وعون في السبيل الى الحوار (الرد على اعتذار جعجع كان واضحاً). إذاً كما كانت الحروب تدور على منطقة بعد أخرى، وعلى طرف بعد آخر، وعلى حزب بعد آخر، وها هي، المصالحات، تنتقل من هنا الى هناك من دون أن تكون "جامعة" حتى الآن. وإذا كانت حركة 14 آذار محضت الحريري التكلم بإسمها، فدعمته، وساندته، وأظهرت "مدى عمومية" المصالحة وقوة وحدتها، فإن أهل 8 آذار سلكوا الطريق المواربة مع حزب الله في تحركه باتجاه تيار المستقبل، ليقطعوا الطريق ربما على مصالحة شاملة أو على احتمالات لقاءات جدية تمهد لطاولة الحوار المنتظرة.

إذاً هناك 14 آذار موحداً ومشاركاً بطريقة عبر مبادرات الحريري، وهناك 8 آذار موزعاً الأدوار بين تعميق اللاحوار، وتشتيت المصالحات، ولاستبقاء ثغرات ينفذ منها الى محاولات التراجع أو استعادة المناخات السلبية السائدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، ليحاولوا أن يجعلوا ربما من "المصالحات" الراهنة منصات لجولات جديدة ومنقلبات أخرى. تماماً كما كان يحدث في زمن حروب الميليشيات.

ونظن ان المصالحات اليوم، وبرغم كل الظروف المحيطة بها، ولكي يكون لها "أثر" دامغ، ومردود طويل الأمد، ورسوخ على مستوى الواقع، لا بد من أن تقوم حول الأسس التي غابت عن مصالحات الزمن الميليشيوي: أي الدولة أولاً كمرجعية أولى لكل القرارات، ودون سواها: بحيث لا يكون الحوار حواراً بين دول، ومحميات خارجية. أو على الأقل بين دويلة أو دويلات، أو بين مرجعيات تحل محل الدولة، أو مؤسساتها ومسؤوليها الشرعيين. ومن هذا الباب لا بد من أن يكون مفهوم المواطنية أساساً لبناء الدولة: فالمصالحة لا تتم بين ناس أحالوا مواطنيتهم على مذهبيتهم أو طائفيتهم، سواء من هذا الفريق أو ذاك: أي تكون مصالحة أو حوار بين مواطنين لبنانيين يحققون مواطنيتهم عبر اعترافهم بدولة واحدة، وبجيش واحد، وبمصير واحد، وبحدود واحدة (من هنا نقول ان مفهوم المواطن "الأممي" اليوم في لبنان مفهوم تغريبي… واقتلاعي)، وبشعب واحد: لبنان ليس مجرد "شعوب" وجدت بالصدفة وتعيش قسراً بين بعضها كما كان وما زال يشيع ذلك كل من أراد من الخارج اختراق الواقع اللبناني عبر فجوات "شعوبه" بمعنى آخر انتماء واحد لشعب واحد بمواطنية واحدة. إذ كيف يجب أن يقوم حوار بين من يؤمن بالوطن بحدوده وشعبه ودولته وبين من لا يؤمن بكل ذلك باعتبار ان الوطن ليس أكثر من منصة أو ذريعة أو معبراً لأوطان أخرى يظنونها "أوطانهم" وهي أوطان الآخرين، وربما "أوطان" أعدائهم… من هنا ينطلق كل حوار: الانتماء ضمن مجتمعية مواطنية متعددة. التعددية الفكرية والسياسية وحتى الايديولوجية لتحل محل "التعددية" "الحضارية" الطائفية: أي تعددية الشعوب داخل اللاشعب الواحد. وعلى هذا الأساس يكون للمجتمع المتعدد أن يعمق أسس بنيانه المدني وأدواته المدنية الديموقراطية والنقابية والقضائية والتشريعية… إذ كيف يمكن أن تستوي مصالحة (أو محاورة) بين فريق طلع من المجتمع المدني وبين آخر يحاول الانقلاب عليه بالقوة والعسف والسلاح والاعتداء. وكيف يمكن الدخول في "تفاهم" إذا لم يقرر الفريق الانقلابي التخلي عن عدائه للعبة الديموقراطية التي يؤسسها المجتمع؛ بل وكيف لا يكون اللقاء مجرد ممر لحروب جديدة إذا احتفظ فريق ما بموقفه "المتفوقن" على المجتمع وتالياً على الدولة وتالياً على الناس.

فقوى 8 آذار التي ما زالت توزع الأدوار بينها، من سلبية عدائية (ميشال عون هللويا الذي لم يعتذر حتى الآن من الشعب اللبناني على حروبه ضده)، كأن المصالحة أو المحاورة أو اللقاء أو طاولات الجلوس للكلام ما هي إلا خشبة مسرحية لاستعادة المسرحيات السابقة: أي أن تكون المصالحات طريقة لحمل 14 آذار على الاستسلام من أجل "السلم"، ولقبول كل ما رفضه سابقاً: أي تكون المصالحة "حرباً" أخرى بالقبلات والعناقات والتنميقات الانشائية. أو على الأقل وسيلة لتفريق شمل 14 آذار بمطالبه وأحلامه وإنجازاته. أو استطراداً نوعاً من فرض أمر واقع الحروب والانتصارات الوهمية في الغزوات واستنهاض البؤر الأمنية، واستثارة الغرائز المذهبية: كأن يُملي "المنتصر" شروطه على المهزوم. فهل هي المعاني المجازية وراء توزيع 8 آذار الأدوار المتناقضة في ما بينهم.

على هذا الأساس لا يمكن أن تكون مصالحات أو حوارات إلا إذا بنيت على ثوابت وبديهيات سبق أن أشرنا إليها وأشار إليها العديد من أركان 14 آذار لا سيما ما أعلنه الشيخ سعد الحريري بعد لقائه وفد حزب الله في قريطم.

فإذا كانت المصالحات والمبادلات ستؤدي الى بقاء دولتين بحدود حاسمة، فستكون تكريساً لمبدأ الدولتين: دويلة حزب الله والدولة اللبنانية.
وإذا كانت المصالحات ستؤدي الى بقاء قرار الحرب والسلم بأيد حزبية أو بيد حزب الله يستمد قراراته من الخارج، فستكون اعترافاً بشرعية القرار الحزبي وبطلان مرجعية الدولة.

وإذا كانت المصالحات ستؤدي الى بقاء البؤر الأمنية مفلتة ومفتوحة على إرادات الخارج عبر هذا الحزب أو ذاك، فستكون تعزيزاً لهذه البؤر الأمنية.
وإذا كانت المصالحات ستؤدي الى تمديد "سريان" النفوذ الخارجي الشقيق الأقرب والأعجمي الأبعد، فستكون تأكيداً على انعدام القرار الشعبي.
وإذا كانت المصالحات ستؤدي الى تخريب المحكمة الدولية فستكون انتصاراً للقتلة، وهزيمة لإرادة الانتفاضة، وخيانة للشهداء وعلى رأسهم الرئيس رفيق الحريري، وإهداراً لدماء أهل 14 آذار ورموزها وكتابها… وصحافييها.

وإذا كانت المصالحات ستؤدي الى التنازل عن الحريات العامة، وعن حرية التعبير والتفكير وعن الديموقراطية، وعن أدوات المجتمع المدني، فستكون استرجاعاً للاستبداد والدكتاتورية والنظام البوليسي والقمع وإعدام كل ما تبقى من سمات مميزة في لبنان. وعندها يكون "للانقلابيين" (المرتهنين بأنظمة الانقلابات الخارجية) أن يكملوا تنفيذ مخططاتهم الانقلابية لكن عبر "الشرعية" والتوافق… والتآلف وظلال المصالحات…

وإذا كانت المصالحات ستؤدي الى تفكيك 14 آذار كشرط معلن أو غير معلن، أو الى استفراد فئة تمهيداً لاستفراسها، فستؤدي الى بقاء قوة أقلية موحدة إزاء قوة أكثرية مبعثرة، وعندها يصيب الحياة السياسية الشلل والعماء والعجز والاستسلام لحزب الطرف الواحد أو الهيمنة الخارجية، لتشمل سياسة الاستفراد بعدها كل فريق من 14 آذار على حدة. إذ ماذا يعني مصالحة لا تكون "شاملة" وعلى أسس شاملة، وبكل من له موقع على أرض الواقع والتاريخ. تكون عندها مجرد وسيلة لاستفراس كل مكون من مكونات 14 آذار ليسود ممثلو النظام الأمني المشترك، وليكون ذلك تهديداً لكل انجازات ثورة الاستقلال.

من هنا، نقول ان أي مصالحة ستؤدي الى بعثرة الآخر، ليست مصالحة على الاطلاق. وإذا كنا نعرف أن أهل 8 آذار مرتبطون بوصاية من هنا أو من هناك فيعني ان السيادة نفسها ستكون مهددة، وتالياً الاستقلال، وتالياً القرار الجماعي المستقل، وكذلك ما يسمى تحييد الساحة اللبنانية عن تبعية الخارج والخوارج وجعلها حلبة لتصفية الحسابات أو لاستجرار حروب الآخرين إليها، وليس بعيداً أن تؤدي سياسة الاستفراد هذه الى إحياء مشاريع التقسيم التي ازدهرت أيام الحروب السابقة، وتعزيز فرص الكانتونات والدويلات لتستعيد مجدها. فإما كل 14 آذار يحاورون من خلال إنجازاتهم ومواقعهم وإما كل 8 آذار يتقدمون نحو الدولة الواحدة، وإما… لا شيء! تصبح مسألة المصالحات مسألة توقيت "هدنة" أو إعلان "نيات" أو مجرد فصم عرى وتحالفات لاستفراد الدولة والنظام والسلطة… بالمجاز الانقلابي. ويبقى كل شيء على حاله. أو يعود كل شيء الى ما كان عليه أيام عهد الوصايتين، في ظل انتخابات عتيدة تعيد انتاج ما عانينا على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة. انتخابات تعيد خلط الأوراق لكن من منحى استبقاء 8 آذار كتلة متراصة، واستجرار 14 آذار الى مصائرها الفردية واختياراتها الخاصة، بعيداً من أهدافها وهواجسها وتضامنها واستمرارها.

فهل هذا ما يرمي إليه الذين يبدون الحماس من أهل 8 آذار، واللهفة، وطي الصفحات، أم ان هناك تغييراً في السلوك والتفكير وعودة الى الثوابت والمكونات التي تقوم عليها الدولة والمجتمع والسيادة والاستقلال والديموقراطية وحرية التعبير والتعددية!

في هذه المرحلة لا يسعنا إلا النظر الى الجزء المليء من الاناء والى "الشمعة" التي تهزم الظلام… لا يسعنا اليوم سوى محاولة تصديق أن ما يجري هو بداية طريق جديدة، بين اللبنانيين، لا تختار سوى السلم الأهلي وسيلة لبلوغ أهدافها…

في هذه المرحلة لا يسعنا إلا أن نفرح بالمصالحات واللقاءات والنيات البيضاء المعلنة، المصالحات التي يتمنى اللبنانيون كلهم أن تبعد عنهم شبح الحروب والمآسي والغزوات والتهديد بالسلاح وتعزيز الكانتونات، لبناء وطن واحد يكون للجميع ويكون الجميع له.
أتراه حلماً: سحابة صيف. أم علامة لزمن جديد. إذا صدقنا، فالحقيقة ستكون أجمل من أن نصدقها!
فقولوا انشاء الله!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل