#adsense

ما للدولة وما للمقاومة

حجم الخط

ما للدولة وما للمقاومة

تنظر القوى الحزبية أن شرعية الدولة لا يمكن تكريسها واقعياً إلا من خلال تفعيل صلاحيات رئاسة الجمهورية، بينما تعتبر كوادر المقاومة ان الصلاحيات الرئاسية يجب ألا تكون على حساب مواقعها بذخائر المسلحة، ولا على حساب دخول المربعات الأمنية، ولا حتى معرفة مداخيلها ومبيعاتها مهما كانت نوعية طريقة اكتسابها وقنوات امتلاكها. فرئيس الجمهورية ميشال سليمان أشار بأن الدولة هي المرجعية الأم في القرارات الرسمية، وهذا مرتبط بمدى تجسيد وحدة الدولة، وبمدى استقلالية الدولة وعدم تدخل الآخرين في شؤونها.

في هذا الاطار يتضح ان رئيس الجمهورية مبدئياً استطاع أن يدافع عن استقلالية لبنان بمصداقيته الوطنية حين رفض ربط مباشرة المفاوضات بالتزامن مع المباحثات التفاوضية بين الجانب الإسرائيلي والجانب السوري ابان زيارته الأخيرة إلى العاصمة السورية. فضلاً عن انه سارع بالدعوة إلى الحوار وطرح مشروعه الوطني المتعلق بالاستراتيجية الدفاعية.

من المفترض من هذه الاستراتيجية ان تعطي التيارات والمكونات السياسية المساواة في حقوقها ضمن ضوابط وقواعد متعارف عليها اجتماعياً ومرجعياً. وإذا كان حزب "المقاومة" لديه تصوّر مغاير ونظرة تعتمد على الانتصارات التحريرية، بحيث انه يُفضل تمايزه نتيجة تضحياته وإنجازاته الدفاعية، فمن الواضح لا خلاف بمنحه خياراً ربما كأدنى مطلوب من الأكثرية وسائر الأحزاب الممثلة حكومياً لما تطالبه بوضع اسلحته تحت رقابة الدولة، وتحديد سقف زمني لاستعمال عناصره ضمن المنظومة العسكرية، علماً ان الاستفتاء هو الحل الأنسب إذا ما قارناه عندما ردّ النائب سعد الحريري على أولئك الذين طالبوا باستفتاء شعبي على اتنخاب رئيس للجمهورية أيام الأزمة المستعصية قائلاً: "من أراد الاستفتاء فلا بد أن يشمل الاستفتاء على جميع المواضيع، أي بما فيها السلاح".

وفي هذا الصدد يذكر ان الدولة الوطنية لا تقوم على اتباع استراتيجية دفاعية مزدوجة، إذ ان الاستراتيجية الدفاعية الحقيقية هي ما يتيح للحزب الميليشياوي مشاركة الدولة أثناء الاعتداءات وهي ذات أولوية راجحة، بخلاف الاستراتيجية الدفاعية التكاملية والتي تعتبر محاولة لسلب قرارات الدولة واخضاعها إلى العواصم الاقليمية وإعادتها إلى عهد الوصاية وإكراهها بالتبعية لأجل فقدان الاستقلالية الكاملة. فالحزب الثوري القومي لا ينبغي له التنسيق مع الدولة حسب ما يناسبه فقط ووفق شروطه وخياراته في كل صغيرة وكبيرة، ولا ينبغي له التكامل مع مؤسسات الدولة سائرها، ليس باعتباره يمتلك أسلحة تفوق القوات الدفاعية النظامية فقط، وإنما لكون الدولة تضم كافة التيارات السياسية والانتماءات المذهبية، في حين ان المقاومة لا يشغلها سوى الدفاع عن مصالحها الفئوية وخدمة الامتدادات الاقليمية. فالعملية الانقلابية التي اجتاحت بيروت بذرائع غير محقة، ثم انتقلت إلى الجبل كي تبرهن على أن المقاومة قوة لا تقهر ولا تكسر، فماذا عسانا نفعل لو انتصرت عسكرياً في أحراش الجبل ثم عبرت ضواحي معراب؟ ألم يكن عندئذ هي الدولة الفعلية التي تتحكم في مستقبل الوطن ومصيره؟! ألم تكن هي دولة الحرب والسلم في أي وقت تشاء وفي أي مكان تريد؟! ألم تكن هي السلطة الأمنية والعسكرية وفي ذات الوقت السلطة القضائية لما تلجأ إلى مقاضاة ومعاقبة من يخالفونها الرأي والاتجاه؟ وإذا أعلن جهراً نيّة رفض تسليم السلاح مقابل ضمانات موثقة ألا يعد ذلك تحدياً للدولة؟.

حقيقة أمر الواقع، يترتب على الدولة الالتزام بتعهداتها وضماناتها الكفيلة كي تضع حداً للخلافات القائمة حول سلاح المقاومة مع الأطراف الحزبية المرحلية، كما يجب على الدولة إثبات قدراتها على أنها تحظى بسمعة عالية بإمكاناتها الكفيلة في توفير المناخات السلمية الاقليمية، أما إذا عجزت عملياً على احتواء السلاح فهي تصير فاقدة البرهنة على تمثيل لبنان ينعم بالأمن والسلم وهو ما يدرجها على غرار المقاومة الإسلامية والسلطة المركزية الفلسطينية اللتين تدفعان الشراكة الحكومية والكيان الفلسطيني نحو الانزلاق والانهيار. ولا جرم ان الضعف والاختلال يصباح لصالح إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، عندما تتذرع بعدم استعدادها للإقدام على مشروع التسوية مع أطراف مجاورة لا تسيطر على أوضاعها ولا تتمسك بزمام القرارات المركزية ـ القيادية ـ لأنها لا تضمن تطبيق أي تفاهمات ولا تضمن مفعوليتها في الحياة الواقعية العملية.

أما ما ينتظر أمام حزب المقاومة رصد عن كثب لما يحاك بالمخاطر وما يبث بالمخاوف ولا الاستنكاف عند ما يملى عليها مرجعياً اقليمياً ولا ايديولوجياً ثورياً، لكون المقاومة أضرت الوطن بإذكائها وتحريضها المذهبي وتأجيج الصراع المحلي، بالرغم انها دوّنت سجلاً حافلاً بالتضحيات، وبموجب هذا لا ينبغي عليها الإعراض على الإجماع الوطني بالتشاور والتراضي، بل يلزمها عدم الانقلاب على القرارات الصادرة عن الدولة مقابل ضمانات تؤمن لها الفعالية السياسية والمشاركة الدفاعية. فظروف الدولة الحالية ليست ظروف تلك الدولة المفككة التي نشأت ابانها ميليشيا المقاومة، والدولة المستقلة الحالية ما عادت تحت الوصاية والقوى المستأثرة، وإذا أرادت التطلع إلى غد واعد فيشترط عليها عدم الاستقواء بأمجاد السلاح، والاحتماء خلف الدولة ما هو إلا نصر للوطن والمقاومة والدولة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل