عوامل أميركية ولبنانية وإقليمية غيّبت الانتقادات "المألوفة"
زيارة سليمان لواشنطن جسر تواصل مع الإدارة المقبلة
لم تحتل زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لواشنطن غداة القائه كلمة لبنان امام الجمعية العمومية للامم المتحدة في نيويورك، حيزا كبيرا في ادبيات المسؤولين اللبنانيين، ولا سيما من هم في المعارضة على ما درجت العادة في مثل هذه الحال، وذلك لاعتقاد اساسي ان الزيارة تكتسب طابعا رسميا بروتوكوليا اكثر مما تمهد لـ"شراكة" اميركية – لبنانية على اي مستوى سياسي، وذلك نتيجة بدء العد العكسي لانتهاء ولاية الرئيس جورج بوش بعد الانتخابات التي ستجرى بعد شهر وخمسة ايام. فالكلام العلني الذي وزع عن اللقاء في البيت الابيض بين الرئيسين اللبناني والاميركي كان معبرا في هذا الاتجاه، بحسب بعض هؤلاء، اذ شكر الرئيس سليمان الادارة الاميركية لدعمها لبنان ولا سيما المؤسسات العسكرية من دون تبني الدعم السياسي (المختلف عليه لبنانيا لانه كان للدولة اللبنانية ممثلة بالاكثرية في الحكم او لقوى 14 اذار) في حين ان الرئيس الاميركي المغادر بعد ثلاثة اشهر البيت الابيض بدا محددا ودقيقا داعما للبنان والرئيس اللبناني عبر قوله ان مهمة الولايات المتحدة هي مهمة الرئيس سليمان نفسها مع اشارته الى استمرار الطلب الى سوريا احترام سيادة لبنان وترسيم الحدود معه، فالادارة التي تستعد لتسليم مقاليد الامور الى ادارة اخرى تملك لا ان تعطي وعودا ولا ان تطلق برامج رغم تأكيد استمرار الدعم المتواصل للمؤسسات العسكرية والامنية في لبنان في المرحلة المقبلة ايا تكن طبيعة الادارة الاميركية الجديدة. من هذه الزاوية ليس هناك الكثير مما يمكن ان يستفز منتقدي الزوار اللبنانيين عادة للولايات المتحدة، خصوصا ان مصادر عدة لم تخف مساعي بعض الدول الى تدبير لقاء لوزير الخارجية السوري وليد المعلم مع وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس في نيويورك، كما هي الحال في اي مناسبة يحضر فيها الطرفان، وفي وقت تمهد الدول الاوروبية لذلك وللمرحلة المقبلة من خلال تشجيع سوريا على المزيد من تنفيذ الخطوات المطلوبة منها وعلى صعيد الانفتاح الاوروبي عليها تحديدا.
وثمة من يرى ان احدا لا يملك انتقاد رئيس الجمهورية في بداية عهده وخصوصا من المعارضين، وقد اظهرالرئيس سليمان انه يسعى الى اعتماد "ميزان الجواهري" في تعاطيه مع الافرقاء الداخليين او مع الافرقاء المؤثرين في لبنان من دول اقليمية ودولية. فضلا عن طموح كل من سوريا وايران لبدء حوار مع الولايات المتحدة حتى مع ادارة راحلة بحيث يستكمل لاحقا، وذلك بالتزامن مع مفاوضات غير مباشرة تجريها سوريا مع اسرائيل وتتوق لأن ترعاها الولايات المتحدة.
على ان مصادر متابعة تعتقد ان للزيارة ابعادا تتعدى الاطار البروتوكولي. فالرئيس سليمان هو في بداية عهده ومن المهم بالنسبة اليه مع السعي الى اخراج الافرقاء اللبنانيين من المحورية التي اتهم بها احدهما الآخر خلال الاعوام الثلاثة الماضية ان يقف موقفا متوازنا على المستوى العربي والدولي، خصوصا ان لبنان لا يزال يحتاج الى الكثير من الدعم ولما تنته ازماته بعد. والولايات المتحدة تبقى الدولة الكبرى المؤثرة رغم الازمات التي تواجهها في داخل اميركا او خارجها. ولاستقبالات الرئيس بوش دلالاتها في اليوم نفسه لاستقبال الرئيس اللبناني رغم ان الموعد محدد ومتفق عليه منذ اسابيع عدة، من حيث استقبال بوش ايضا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وفي عز انشغاله مع المرشحين الديموقراطي والجمهوري للانتخابات الرئاسية الاميركية باراك اوباما وجون ماكين، لعرض خطة لمواجهة تداعيات الازمة المالية الخطيرة في الولايات المتحدة. فبدا الامر كأنما الرئيس الاميركي يتابع حتى اللحظات الاخيرة من ولايته مواقع اهتمام ادارته ولم يتركها ان في ما يتعلق بلبنان او فلسطين. وقد يمر وقت طويل قبل امكان التواصل مع الادارة الجديدة على هذا المستوى اذ تحتاج الى اشهر عدة لتامين انطلاقتها ما لم تكن هناك اساسات متينة قائمة من قبل. فلبنان يستمر في هذا المعنى يحظى بالمتابعة الاميركية، اقله وفق الاصرار على ما هو مقرر لمساعدة لبنان على الصعيد العسكري في الدرجة الاولى على رغم اعتقاد كثيرين او اقتناعهم ان السياسة الخارجية الاميركية دخلت مرحلة انعدام الوزن وبدأ المسؤولون يحزمون حقائبهم استعدادا لمغادرة مواقعهم ومناصبهم، لا بل ان انعكاس زيارة سليمان يدرجه بعضهم في اطار وضع اللبنة الاساسية لاستمرار التعاون ايا تكن الادارة الاميركية المقبلة في ضوء اصرار المسؤولين الاميركيين الكبار على الطمأنة الى ان الموقف واحد من لبنان لدى الحزبين الديموقراطي والجمهوري على حد سواء، والاثنان خاضا معركة الدفاع عن سيادة لبنان واستعادة استقلاله، وليس هناك تاليا تغييرات كبيرة في شأن الموقف من لبنان، حتى لو قررت الادارة المقبلة فتح حوار مع سوريا على غرار ما فعل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بعد تسلمه الرئاسة الفرنسية. ومن هذه الزاوية بالذات من المهم ان يدخل لبنان الرسمي كدولة على خط العلاقات الثنائية المباشرة مع الولايات المتحدة كما مع سواها من الدول لئلا يبقى كما بقي طيلة ثلاثة عقود في المقاعد الخلفية او الثانوية لعلاقات سوريا مع هذه الدول، بل يستعيد موقعه المتقدم جزئيا كما كان من قبل.