#dfp #adsense

سبحان الحيّ الباقي

حجم الخط

سبحان الحيّ الباقي!

ربما يكون من الظلم للجنة الادارة والعدل النيابية ووزير الداخلية التنكر تماما للجهود التي بذلاها لإقحام تلوينات اصلاحية في اقتراح قانون الانتخابات النيابية الذي يستكمل مجلس النواب اقراره اليوم، لا بل يسجل لرئيس اللجنة ووزير الداخلية تحليهما بالواقعية وعدم تضخيم بضعة بنود اصلاحية أمكن تمريرها في الاقتراح مع عدم اسقاط أهميتها في النطاق المحدود لها قياسا بمجمل الاقتراح.

ومع ذلك شكلت بعض المواقف النيابية الاخرى في جلسة السبت استعراضا مسرحيا هزليا يستفز دعاة الاصلاح الحقيقي بابتعاد هذا الاستعراض عن أي جدية تملي على الاقل التواضع في مقاربة الاصلاح وتجنب الازدواجية الاعلامية امام الشاشات.

واقع الحال ان سقوط الرهان على قانون انتخاب اصلاحي لم ينتظر جلسة مجلس النواب بل كان احدى النتائج المدوية لتسوية الدوحة يوم تم التوصل اليها. فالتعامل الاستنسابي والجزئي مع مشروع لجنة الوزير السابق فؤاد بطرس وضع حدا حاسما لكل الطموحات الاصلاحية حين أسقطت التسوية جوهر مشروع لجنة بطرس المتمثل باعتماد النظام المركب للاقتراع الاكثري والاقتراع النسبي وأحلّت مكانه النظام الاكثري على أساس تقسيمات قانون 1960. هذا النظام المركب يشكل الرافعة الاساسية ونقطة الانطلاق الحتمية لإصلاح النظام الانتخابي برمته وكما لا يمكن فصل الرأس عن الجسم وابقاء الانسان حيا يستحيل الحديث عن اصلاح انتخابي في معزل عن تغيير النمط الاقتراعي وتبديله تدريجا من اكثري الى نسبي.

على الأرجح جميع النواب يدركون هذا المفهوم القانوني والسياسي والاجتهادي في بُعده الاصلاحي ولو سلم الجميع بموجبات "تسوية الضرورة"، لأن لبنان هو صنيعة تسويات الضرورة وليس نتاج تشريعات ثابتة باردة تخطط لوطن مستقر، ولذلك لا تقوم قيامة لدولة فيه.

وعلى رغم هذه المعرفة المفترضة، إذ بالبعض يذرفون الدمع فجأة على النظام النسبي ويتبارون في التأسف والتحسر والأسى على روح الاصلاح المزهقة والمنتقلة الى عالم "المثاليات" المقطوع دابرها امام الظروف القاهرة للتسوية السياسية خصوصا أن هذه التسوية تمضي قدما الآن مع الضيف الوافد عليها من شوارع المصالحات ومناطقها الملتاعة بحروب الاشقاء الاعداء.

كاد اللبنانيون يسقطون في عقدة ذنب هائلة لانهم ظلموا العديد من نواب ظنوا انهم لا يتمتعون بهذا القدر من التحسس الاصلاحي والحماسة التغييرية. مرت شهور أربعة من حزيران الى ايلول وجلسات لجنة الادارة والعدل تتعاقب بوتيرة كثيفة وسريعة ولم يسمع اللبنانيون صوتا ينتصر لتغيير التركيبة الانتخابية وخوض معركة جدية لاعادة الاعتبار بالكامل لمشروع فؤاد بطرس ولجنته. فاذا بيوم الاستحقاق امام الشاشات يلهم أصحاب النزعة الاصلاحية الدفينة لتلاوة أفعال الندامة عن عقدة ذنب "مفروضة" بواقع قاهر ورفع الصوت بأناشيد الاصلاح وترنيماته ومزاميره، ليغدو الاصلاح ومعه النسبية المنتقلة الى عالم الشهادة والشهداء تحت وطأة التسوية القاهرة مادة مستحبة "لتبييض" ماء الوجه على الطلب.

حصل ذلك وقد يحصل مثله وأكثر، فيما وقائع اقرار المادة تلو الاخرى والفصل تلو الآخر، توحي بالسلطنة الساحقة للقوى السياسية الجرّارة ومعها معظم النواب المنخرطين في إكمال معالم التسوية حتى آخر حرف في الاقتراح المطروح. وليس في كل ما جرى ويجري وسيجري ما يفاجئ أحدا. لكنه "المسرح" الذي يعتاش على "هواة النوع". وأما الاصلاح، فلا تجوز عليه إلا الرحمة، وسبحان الحي الباقي

المصدر:
النهار

خبر عاجل