الأطراف متفقون على رفض الإقتتال ومختلفون على السياسة
المصالحة المسيحية تنتظر رعاية سليمان
تعيد المصالحات في الشمال والبقاع والجبل وبيروت طرح قضية المصالحة المسيحية – المسيحية التي تستمر ملفاً مفتوحاً وازمة اخلاقية ومعنوية تستنزف الجماعة في لبنان وتبقيها في دائرة الخطر والخوف من النتائج الوخيمة المترتبة على هذا النزاع واثاره السلبية على مستقبل هذه الجماعة في اطار المجتمع التعددي اللبناني. لم تثمر المحاولات السابقة سعياً الى الوحدة ونبذ الفرقة واقتصر الامر على "وقف نار" غير معلن بين مختلف الاطراف على رغم الاختلاف الكبير بين مواقف غالبية الرأي العام المسيحي والحزبيين وما نجم عنها من مساحة لا بأس بها تعج بالمصالح الخاصة والارتباطات والتفاهمات والالتزامات التي اسرت اطرافا مسيحيين في مواقف ضيقة تزايد بها حتى على القوى الحليفة من الطوائف الأخرى.
هل فات زمن المصالحة وهل كتب على المسيحيين الشقاق والفرقة الدائمين، ام ان ثمة بارقة أمل في التشبه بمصالحات الجبل وطرابلس والبقاع وبيروت؟ سؤال كبير يستدرج مناقشة حول اسباب الخلاف لدى كل طرف وأيهما على حق. الواقع ان كل الفئات المسيحية تؤكد رغبتها في المصالحة مع الاخرين وتضع شروطاً متشابهة في المضمون، لكن أياً منها لا يبادر الى الدعوة الى هذه المصالحة التي القيت اعباؤها سابقاً على البطريركية المارونية الحاضنة الروحية للطائفة، لكن بكركي "الملتاعة" من خلافات الحزبيين في رعيتها وشقاقاتهم فضلت التريث والتعامل مع الملف بهدوء وتحفظ. ومع انتخاب رئيس جديد للجمهورية يفترض ان يشق هذا الملف طريقه الى الحل برعاية الرئاسة الاولى التي تمثل قمة المشاركة المسيحية في حكم لبنان وادارة شؤونه. في ما يأتي عينة من آراء الحزبيين المتخاصمين في هذه المصالحة التي تبدو مستحيلة.
الامين العام لحزب الوطنيين الأحرار الياس ابو عاصي يرى ان "المصالحة هي دعوة الى الجميع للعودة الى الارشاد الرسولي وثوابت الكنيسة والدستور واتفاق الطائف. ويشدد على ان احداً لا يدعي ان الحق معه "لأننا جميعاً اخطأنا وعلينا العودة الى ضميرنا وهذا هو شرط المصالحة"، وفي رأيه ان "الأهم في الدعوة الى المصالحة وجود الرغبة في انجازها "اذ لا استطيع الذهاب الى كرسي الاعتراف اذا لم اكن املك الارادة للاعتراف بأخطائي والتكفير عما اقترفته". وعنده ان "المسألة صغيرة من جهة "وما بتحرز"، وشبه مستحيلة من جهة اخرى ما لم تتوافر الرغبة في المصالحة، حتى لو اجتمعت في سبيلها الأمم المتحدة كلها.
اما عملياً فالمصالحة تعني في رأي ابو عاصي "العودة الى الثوابت اللبنانية واصول التعاطي الديموقراطي بين المسيحيين واللبنانيين عموماً، وعدم ادعاء احتكار التمثيل المسيحي وضبط الألسنة واحترام قواعد التخاطب والتعامل بين القيادات والاحزاب بما يعكس القيم المسيحية واللبنانية". ومن هذه النقطة ينطلق الأمين العام لحزب الاحرار للدعوة الى العودة الى "ميثاق الشرف الذي وقعته القوى المسيحية برعاية بكركي، وعند ذلك تحل كل الامور".
"التيار الوطني الحر"
القيادي في "التيار الوطني الحر" آلان عون يعود بالذاكرة الى الماضي المؤلم بين "القوات اللبنانية" و "التيار الوطني الحر" لسنين خلت، لكنه يعتبر ان ذلك اصبح جزءاً من الماضي بعد المصالحة التي جرت في سجن وزارة الدفاع بين النائب ميشال عون العائد من المنفى والدكتور سمير جعجع الذي كان لا يزال سجيناً عندما جرى الكلام على الموضوع وطويت صفحة الخلاف بين الجانبين. وفي رأي عون ان الخلاف الحالي بين "القوات" و"التيار" سياسي وليس دينياُ او مذهبياً كما يجري في المناطق الاخرى. والمطلوب في رأيه ان تتطور العلاقات بين القوى المسيحية على المستوى السياسي لتجاوز الخلافات الراهنة. ويرى أيضاً ان ثمة مصالحة لم تتم بين "القوات" و"تيار المردة" لطي صفحة الماضي و"هذا ما يجب العمل على استكماله". وعن الحوادث والاشتباكات التي جرت يوم "الثلثاء الاسود" العام الماضي يرد بأنها "ليست في حجم ما جرى في المناطق الاخرى من قتال واشتباكات، وتنحصر في حدود الاشكالات العادية".
اما عن الطريق الى المصالحة فيعتبر انه "كان المفروض ان تؤدي مساعي بكركي الى لقاء عام يجمع كل الاطراف في الصرح البطريركي، لكن ذلك لم يحصل لأسباب عدة"، ويجزم ان "لا شيء يمنع لقاء القوى المسيحية، فالتنافس السياسي يجب التعامل معه بالوسائل الديموقراطية فحسب، وكان يفترض بالمسيحيين ان يضعوا خلافاتهم جانبا الى حين استعادة حقوقهم، وقد تفرقوا في الوقت الخطأ حين كان مطلوباً منهم التوحد".
ويقول عون ان "نية المصالحة موجودة" لدى العونيين، و"ثمة محاولات جرت مع الكتائب ولقاءات لا تزال مستمرة مع القوات اللبنانية، لكنها لم تصل الى خواتمها السعيدة بسبب الخلافات السياسية حول مواضيع رئاسة الجمهورية و سلاح "حزب الله" مما ادى الى توسيع شقة الخلاف السياسي، لكن المهم ان النية موجودة وعلى المسيحيين الكف عن جلد انفسهم، لأن التعدد لديهم يؤمن حياة سياسية طبيعية لهم ولكل لبنان".
الكتائب
يعتبر الكتائبيون انهم "ام الصبي وانهم مسؤولون عن الدفع في اتجاه المصالحة، ولا شروط لديهم"، حسب مساعد الامين العام للحزب وليد فارس، "الا اشتراط عودة المسيحيين الى الاضطلاع بدورهم في النظام وقيامة لبنان في شكل صحيح"، وفي رأيهم ايضاً ان "الوضع المسيحي ليس مرتاحاً ابداً بما يسمح بالعودة الى التناحر، وليست هناك مجموعة في العالم تعرضت الى هذا المنسوب العالي من الخطر واستمرت في تناحرها وخلافاتها ولم تتوحد وتبحث عن سبل العمل المشترك لمواجهة ما يتهددها".
ويعتبر فارس ان "الكتائب اقرنت القول بالفعل في موضوع المصالحة، خصوصاً خلال حوادث ايار الاخيرة عندما بادر الرئيس امين الجميل الى دعوة الكتائبيين الى فتح بيوتهم امام كل الفئات المسيحية للم الشمل". وعند الكتائبيين انهم تجاوزوا كل العداوات الماضية الى الحوار مع الجميع و"المطلوب اليوم هو التزام الثوابت التي اعلنتها بكركي والمنسجمة مع التوجهات المسيحية منذ 1400 سنة وتراث الآباء المؤسسين للكيان اللبناني وبناة دولة لبنان الحديث". ويصر فارس على "ان المسيحيين لا يمكنهم العيش والبقاء خارج مشروع الدولة التي تحتضنهم، وان نهايتهم هي في مشروع الدويلات، وهذه ثابتة نهائية لدى المسيحيين من دونها يسقط كل معنى لبنان. أما الصراع السياسي فهو طبيعي لكن غير الطبيعي هو الخروج على مرجعية الدولة ونهائية الكيان، وكل من يتفق مع هذا الطرح لا خلاف معه".
ويخلص الى "ان المسيحيين يجب ان يتفاهموا على الابتعاد عن العنف والانقسامات الدموية والقتال في الشارع".
"المردة"
ويعتبر المحامي يوسف سعادة من "تيار المردة" ان حزبه كان اول من دعا الى المصالحة المسيحية وتمنى على البطريرك الماروني رعاية هذه المصالحة، ملاحظاً ان بكركي "ترددت ولم تبادر خشية انفراط الموضوع وارتداده سلباً". واعتبر ان "رئاسة الجمهورية هي الموقع المؤهل لرعاية المصالحة والاتفاق على الثوابت التي تحمي الوجود المسيحي ودوره في لبنان".
وفي رأي سعادة ان "الاتفاق على الثوابت والمسلمات الرئيسية يفتح المجال واسعاً امام الممارسة الديموقراطية والتنافس بين القوى المختلفة على قاعدة برامج سياسية واضحة". ويشدد على دور رئاسة الجمهورية خصوصاً في المصالحة بين "القوات" و"المردة" التي "يجب ان يحضرها الرئيس امين الجميل والعماد ميشال عون لانهاء هذا الخلاف".
حزب "القوات"
اما حزب "القوات" ففي رأيه استناداً الى النائب انطوان زهرا ان "الجميع يجب ان يلتزموا سقف مسلمات بكركي والوثائق الصادرة عنها مثل المجمع البطريركي الاخير، وكل تجاوز لهذه المسلمات هو عودة بالسياسة الى الوراء لأن جمع كل طائفة تحت شعار سياسي واحد لا يخدم التنوع ولا التعدد في لبنان"، علماً ان ثمة شكوى في رأيه من الاحادية لدى السنة والشيعة، اما الاهم برأيه فهو ألا يتطور الخلاف السياسي الى قطيعة وصدام.
وعن الخلاف مع "تيار المردة" يؤكد زهرا ان تجاوزه قد تم في اطار المصالحة الوطنية بين اللبنانيين من خلال اتفاق الطائف. وفي مقابل اصرار "المردة" على تنظيم لقاء كبير في بكركي لاعلان نهاية الخلاف يقول زهرا الذي كان طرفاً في اللقاءات التي جرت في بكركي ان اللقاءات الفولكلورية لا تجدي، بل يجب تعميق فعل المصالحة بين مختلف الاطراف المسيحيين".