قانون العام 60 وحسابات تكتل 8 آذار
كان لافتا للمراقبين والناس معاً، ان اصواتا عدة بدأت منذ مدة، بشن حملة قاسية على قانون الانتخابات، المعروف بقانون الـ 60، والذي عاد لبنان الى اعتماده في العام 2008، وكان لافتا ايضا ان جميع هذه الاصوات إنما هي صادرة عن جهة وحيدة هي جهة تكتل 8 آذار، الذي اقام الدنيا ولم يقعدها بعد، من «اجل فرض هذا القانون بقوة السلاح والتظاهر والاعتصام وقطع الطرقات، ولان هدفه الاساس في تلك الفترة، كما هو معروف، تمهيد الساحة الانتخابية امام ركيزته التحالفية على الساحة المسيحية التيار الوطني الحر، ليحصد المقاعد الانتخابية في الاقضية ذات الاكثرية المسيحية، على اعتبار ان التيار يملك اغلبية 70 بالمائة من اصوات المسيحيين، قياسا على نتائج انتخابات العام 2005، على ان يقدم له مكافأة على مواقفه المؤيدة والداعمة، هي عبارة عن عدد من المقاعد في الاقضية التي يملك فيها التكتل ثقلا شعبيا، مثل جزين وشرق صيدا وجبيل وبعبدا وبعلبك، وبذلك يتم لتكتل 8 اذار الحصول على ثلثي عدد النواب ان لم يكن اكثر، يستطيع بواسطتهما الحصول على الاكثرية الساحقة التي تسمح له بالاستقلالية الكاملة في حكم البلد الى اربع سنوات مقبلة، على امل تمديدها في الانتخابات اللاحقة لانتخابات العام 2009.
اما لماذا بدأ قادة هذا التكتل باعتبار قانون الـ 60 على انه الاسوأ في تاريخ لبنان، وهو يعيد لبنان الى فلك العصبية الطائفية والمذهبية، ويضرب صيغة العيش المشترك، ويخالف دستور الطائف، فلأن حسابات الحقل عند هذا التكتل، تبدو وفق حساباتهم واستطلاعاتهم انها لن توافق حسابات البيدر، وهذه الحسابات والاستطلاعات مبنية في الدرجة الاولى على نتائج انتخابات المتن الشمالي الفرعية، والتغيير الجذري الذي حصل في هذه المنطقة انتخابيا وتحالفيا، اضافة الى نتائج الانتخابات النقابية والطالبية والمهن الحرة وغيرها، التي افرزت حضورا طاغيا لقوى 14 اذار، اما الحدث الذي اسقط رهانات تكتل الثامن من اذار على انتصارات مدوية، فهو المهرجان الضخم الذي اقامه حزب القوات اللبنانية في جونيه، والذي اظهر جزءا مهما من التأييد الشعبي لمسيحيي 14 آذار، وكان سبق هذا المهرجان ولحقه، احتفالات ومهرجانات متنقلة بين المناطق، لحزب الكتائب، ولحزب الوطنيين الاحرار، والتي شهدت تعاطفا شعبيا واضحا مع الطروحات الوطنية والسيادية لهذا الفريق، الذي حرص في كل خطواته على اعلان تضامن الافرقاء جميعا وتحالفهم مع بعضهم بعضا، على الرغم من حملات مبرمجة دائمة لشق صفوفهم وزرع الخلاف بينهم.
****
سبق في مقالات عدة، واشرت الى ان قانون الـ 60 الذي وافق عليه مرغماً الرئيس اللواء فؤاد شهاب، لا يرضي حسب خطاب مكتوب له موجه الى الامة اللبنانية، تطلعات الشعب الى قانون عصري يلبي طموحاته ويضع لبنان على سكة الدول المتقدمة، كما اشرت الى ان معظم القيادات المسيحية الفاعلة تعتبر ان الانتخابات النيابية على اساس حزبي ونسبي ضمن التوزيع الطائفي والمذهبي القائم، هو الافضل لصيغة العيش المشترك، او الذهاب مباشرة الى الدائرة الفردية المصغرة القائمة على اساس اكثري، واذا كانت ظروف البلد لا تسمح الآن بقفزة نحو الغاء الطائفية في كل المجالات، ولكن الرغبة عند تكتل 8 آذار، في كامل مكوناته الطائفية، بالغاء الاخر والاستئثار بالسلطة، دفعتهم الى الاصرار على اعتماد قانون الـ 60 ضمن حسابات لا يمكن القول انها توصل الى عيش مشترك نظيف، فبقي من كل ما يمكن ان يعرقل قيامه واستمراريته.
***
مجلس النواب قد يقرّ اليوم هذا القانون الذي لطالما اتهمت قوى 8 آذار خصومها السياسيين بالعمل على تعطيله، قياسا على حساباتها السابقة، وربما كانت تتمنى ضمنا تعطيله، لانه يريحها من تقديم تنازلات ومكافآت، وبذلك يحتفظ حزب الله وحركة امل بالنواب المسيحيين في كتلتيهما الكبيرتين، ولكن هذا الاقرار لا يعني مجلس النواب، بانه فوت فرصة ذهبية، قد لا تعوض بعد اربع سنوات، بعد اعتماد المشروع الذي وضعته ما اصطلح على تسميته لجنة فؤاد بطرس، الذي كان يمكن ان يكون انطلاقة صلبة باتجاه خلق مناخ انتخابي راق يعيد لبنان الى الطريق الحقيقية لممارسة الديموقراطية في مضمونها السليم.
في الانتخابات النيابية المقبلة سنتمكن في ضوء النتائج من معرفة على «نفس من جنت براقش».