#adsense

النظام السوري و”حلمُ” العودة في ليلة صيف

حجم الخط

تفجير طرابلس و"انفجار" دمشق على تقاطع صراعات داخل "الطائفة الحاكمة" وضغوط دولية متجدّدة
النظام السوري و"حلمُ" العودة في "ليلة صيف"

يستحيل عزل التفجير الإرهابي الذي استهدف مدينة طرابلس والجيش فيها أمس عن الكلام السوري الرسمي خلال اليومين السابقين، والذي ادعى أن الإنفجار الذي حصل في دمشق السبت الماضي أُعدّ من خارج الحدود السورية، في إشارة لا تخفى إلى لبنان، وشماله بنوع خاص. وبهذا المعنى، فإن التفجير في طرابلس "ترجمة" سورية عملية لمقولة أنّ ما حصل في دمشق أتى "من خارج الحدود".

"مفعول رجعي": تفجيرات آب والإنتشار

غير أن التفجير الإرهابي في عاصمة الشمال، يكشفُ بـ"مفعول رجعي" التفجير السابق الذي حصل في يوم زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى سوريا في آب الماضي من ناحية والإنتشار العسكري السوري المستمر منذ أيام قبالة الحدود الشمالية من داخل الأراضي السورية من ناحية ثانية.

كان النظام المخابراتي السوري مهّد لـ"إنتشاره" شمالاً كما للتفجيريَن في آب الماضي وأمس بـ"إختلاق" عنوانيَن سياسيين يبرّران من وجهة نظره حركته العسكرية وإستهدافاته الأمنية ـ الاستخباراتية. العنوان الأول هو أن طرابلس خصوصاً والشمال عموماً معقل لـ"السلفيين" وتطرفهم الذي يهدّد سوريا وأمنها، وهذا ما كرّره رأس هذا النظام أمس. والعنوان الثاني هو أن ثمة تهريباً للسلاح والمسلحين من طرابلس والشمال إلى سوريا. و"إفترض" نظام الأسد أنه بذلك يقدم مسوّغات تدخله في لبنان وأنه "ذكيّ" إلى حدّ تصوير تدخله على أنه "ردّ" على ما "يأتيه" من لبنان.

صراعات "الطائفة الحاكمة" في سوريا

بيد أن أموراً كثيرة فاتت "ذكاء" النظام السوري أو "تذاكيه" وداهمتهما.
ثمة معلومات عدة آتية من سوريا تفيد أن النظام يشهد منذ مدة صراعات محتدمة. وتفيد أن هذه الصراعات تتركز ضمن "الطائفة الحاكمة" في سوريا، وأن تصفيات حصلت سواء على خلفية المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أو على خلفية العلاقة بإيران وملفها النووي و"حزب الله". أي أن هناك وضعاً هشاً داخل النظام، وتنازعاً بين مراكز القوى فيه على "الطائفة الحاكمة".

فتح الملف النووي السوري

وفي موازاة ذلك، ثمة "مستجدّ" يتمثل في عودة الأمور إلى ما كانت عليه تقريباً لجهة علاقة النظام السوري بالمجتمع الدولي.
في هذا المجال، ينبغي ألا يغيب عن بال أحد إقدام المجتمع الدولي ـ أي بطلب من أركانه ـ على فتح الملف النووي السوري من جديد وبتشدّد عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد تجلّى ذلك في طلب الوكالة تفتيش مواقع داخل سوريا إضافة إلى الموقع الذي إستهدفته غارة إسرائيلية مطلع أيلول 2007 والذي اعتبر موقعاً نووياً أقامته إيران على الأرض السورية في منطقة دير الزور.

"دفتر الشروط" الدولي

لا يمكن النظر إلى فتح الملف النووي السوري على مصراعيه وبتشدّد دولي ظاهر، إلا بصفته إستئنافاً للضغوط الدولية على نظام الأسد بعد مرحلة من الإنفتاح الغربي عليه، على أساس "دفتر شروط" محدّد. فمن الواضح أن ذلك "الإنفتاح" قام على شروط هي أن "يعطي" النظام السوري في لبنان وأن "يعطي" إبتعاداً وفكاً عن إيران، وأن "يعطي" بالتفاوض مع اسرائيل، في "مقابل" أن يمتنع المجتمع الدولي عن إستهداف "رأس النظام". غير أن النظام السوري ظلّ ـ على ما يبدو ـ على إقتناع بأنّ "الإنفتاح" الغربي عليه هو نتيجة لـ"مأزق أميركي ـ غربي" أو أنه يستطيع ان يحصّل بواسطة ذلك "الإنفتاح" وعبر "إعطائه" مواقف معينة بـ"التقسيط" أثماناً سواء على مستوى المحكمة الدولية أو على صعيد إستعادة نفوذ معترف له به في لبنان. أو كأن نظام الأسد ظنّ أن في وسعه، في إطار لحظة دولية شبه "إنتقالية" أن يفرض الأثمان التي يريدها. غير أن قيام المجتمع الدولي بفتح الملف النووي السوري، يأتي تأكيداً لأمرين: الأول هو أنّ المجتمع الدولي نبّه النظام السوري إلى أنّ "المسار التنازلي" الذي بدأه مسارٌ لا رجعة فيه وهو سيدفع الثمن إن حاول العودة عنه، والثاني هو أن لا شراء دولياً لما "أعطاه" وما هو مطلوبٌ منه أن "يعطيه". وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي واضحاً جداً، أثناء زيارته إلى دمشق وبعدها، في تأكيده أنّ المحكمة الدولية لا تخضع للمساومة وأن الفكّ السوري عن إيران مطلبٌ لا تراجع عنه وأنّ التفاوض السوريّ ـ الإسرائيليّ المباشر مسارٌ ستبقى دمشق مطالبةً بالتزامه. وعلى كل حال فإن كلام الأسد أمس عن شمال لبنان برسمه وبرسم المجتمع الدولي والجامعة العربية.

إذاً، إنّ انفجار دمشق السبت الفائت وتفجير طرابلس أمس، لا بدّ أن تتم قراءتهما على تقاطع الصراعات داخل "الطائفة الحاكمة" ونظامها في سوريّا من جهة وتجدّد الضغط الدوليّ على نظام الأسد من جهة أخرى.

"التغطية"

فعلى ما يبدو، ثمّة محاولة من نظام الأسد لـ"التغطية" على صراعاته، ولإجتناب الضغط الدولي المتجدد. والوسيلة هي تصوير نفسه بأنه "ضحية" للإرهاب من ناحية وفتح "بازار" ـ وإبتزاز ـ حول نفوذه في لبنان الذي يصدّر الإرهاب إليه (!) من ناحية ثانية.
وهنا أيضاً يقع النظام السوري فريسة تذاكيه.
ذلك أن الكل يعرف أن هذا النظام هو من أنشأ الفرق الإرهابية وأعدها لدول الجوار، لا سيما لبنان والعراق. والكل يعرف أن رأس النظام، ومنذ الإنسحاب السوري "الرسمي" من لبنان، هدد بأن هذا البلد سيصبح سريعاً معقلاً لـ"القاعدة" والإرهاب. والكل يعرف أن الإرهابيين الذين واجههم لبنان كما في مخيم نهر البارد أو في عمليات التفجير والاغتيال ـ "عين علق" نموذجاً ـ إنما جرى تصديرهم إلى لبنان من المخابرات السورية، لا سيما عصابة "فتح الإسلام".

دور "الضحيّة".. و"البازار"

ليس مستبعداً في هذا السياق، أن يكون إنفجار دمشق من ترتيب جهاز مخابراتي سوري عبر فرقة إرهابية من الفرق المعدّة سابقاً، بقصد تصوير النظام ضحيّة للإرهاب لإكتساب "شرعيّة" معيّنة… وبقصد فتح "بازار" حول لبنان الذي "صار مصدراً لتهديد أمن سوريا" (!). فكيف إذا كان ـ على الطريق ـ يصفّي مسؤولاً مخابراتياً عنده، ذا علاقة بجريمة إغتيال الرئيس الحريري إذا تأكدت الأنباء عن "إختفاء" الضابط عبد الكريم عباس؟
تأسيساً على كل المقدمات الآنفة ووفقاً لكل معانيها، فإن تفجير طرابلس أمس "مدموغ" سورياً. غير أن ما ينبغي التأكد بشأنه، هو أن النظام السوري مهما حاول، لن يعود إلى لبنان ولن يعبر الحدود إلى طرابلس. لن يخطف هكذا عودة والمجتمع الدولي بالمرصاد.
طبعاً، يُثبت نظام الأسد مرة أخرى أنه قادر فقط على إيذاء اللبنانيين وسفك دمائهم. ويُثبت أيضاً أنه "مغتاظ" من مصالحاتهم، وأنه لا يرتاح لتعزّز دور مؤسساتهم، وجيشهم في المقدمة.

رسائل دمويّة.. إلى سليمان

وطبعاً، ليس خافياً أن هذا النظام الذي وجه إلى الرئيس ميشال سليمان رسالة دموية صبيحة توجّهه إلى دمشق الشهر الماضي، أي في "ذهابه" إلى العاصمة السورية، يوجه إليه الآن رسالة دموية بعد "إيابه" من سوريا. هي رسالة جوابية على تأكيد سليمان أن نشر الجيش في طرابلس كان بقرار لبناني وليس بطلب سوري. ورسالة على سعي الرئيس والدولة إلى تعزيز قدرات الجيش لا إلى "الاستعانة" بسوريا. وفي جميع الأحوال، رسالة بأن للنظام "باعاً" في سفك دماء اللبنانيين.. والفلسطينيين والعراقيين.
لكن.. لن يعود، والعودة حلمه في ليلة صيف!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل