"الخاصرة الرخوة" … "خنجر حاد"
طالما حدا لبنان على نغمة "الخاصرة الرخوة" التي تنشدها سوريا منذ إستقلال البلدين عام 1943، وكان في مراحل عدة يرقص على جمر الفتن الداخلية والضربات العسكرية والهيمنة والاحتلال، الجمر الذي تحترف دمشق تأجيجه. فكاد لبنان النظام والكيان يلامس الانهيار والموت مرات عدة آخرها في حرب العام 1975 بوجهيها العسكري الممتد حتى العام 1990 والتسلطي الممتد حتى 26 نيسان 2005، وعبر إرتداداتها المستمرة حتى يومنا عبر اللعب بورقة الامن في لبنان بعد إنتهاء الحتلال السوري العسكري المباشر مع قيام ثورة الاستقلال او ورقة ضرب قيام الدولة وبناء المؤسسات عبر النهج التعطيل لقوى 8" آذار" "قوى الوفاء لسوريا".
ويبدو أن "الخاصرة الرخوة" التي يغمز منها نظام الاسد في الاونة الاخيرة هي الشمال وفزّاعة الاصولية فيه. فقد استفاق لبنان امس الاثنين على حادث امني خطير جداً في ابعاده الامنية والسياسية والتوقيت والمكان، إنه استهداف بالمتفجرات لحافلة للجيش اللبناني في طرابلس في استنساخ لاستهداف 13 آب الماضي ضد حافلة اخرى تقلّ عناصر الجيش في طرابلس ايضاً. وهو ضرب للمؤسسة العسكرية في عقر خزانها البشري في مسلسل متواصل ليس فقط عبر هذين التفجيرين بل ايضاً عبر العبوات التي استهدفت مراكز عدة لمخابرات الجيش في الشمال في الاشهر الماضية، وعبر محاولة إغراق الجيش اللبناني في مستنقع الفتن المذهبية والحروب الاهلية خصوصاً على محور بعل محسن – باب التبنة والتشكيك بحياديته ومناقبيته.
وسرعان ما لوح الرئيس السوري بشار الاسد بورقة الشمال ملمحاً بشكل او بآخر بان المنطقة خط دفاع امامي للنظام السوري بوجه الارهاب والاصولية، متناسياً انه هو من شرّع حدوده لعملية "استيراد وتصدير" الارهابيين والاصوليين بين لبنان وسوريا والعراق. إذ نقل عنه نقيب المحررين ملحم كرم أن "شمال لبنان بات قاعدة حقيقية للتطرف يُشكِّل خطراً على سوريا". وهذا الموقف يأتي تتمة لما كشفه الاسد سابقاً عن أنه طلب من الرئيس ميشال سليمان إرسال لواء من الجيش إلى طرابلس لقمع التوترات المتقلة، وتتمة ايضاً لتحذيراته المتكررة من تفشي ظاهرة الاصولية والتيارت السلفية في عاصمة الشمال ومنها ما اعلنه خلال زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الاخيرة الى دمشق. أضف الى تزامنه مع خطوة نشر وحدات خاصة عسكرية سورية على الحدود مع لبنان منذ نحو أسبوعين وتبريرها بالمساعي لضبط التهريب عبر الحدود .
والتزامن بين اعتداء طرابلس وإعلان دمشق عن ان التحقيقات الاولية حول الانفجار الذي هزّ العاصمة السورية السبت الماضي اظهرت ان السيارة المفخخة عند مفرق مزار السيدة زينب دخلت من دولة عربية لها حدود مع سوريا، وأن منفّذ العملية ارهابي انتحاري على علاقة بتنظيم تكفيري"، أتى ليطرح علامات إستفهام عدة، ويطلق العنان للمخيلة لتستشف سيناريوات منوعة قد يعتمدها نظام الاسد. فقد تعاطى النظام السوري مع انفجار دمشق – وهو الحادث الامني الثالث هذا العام بعد اغتيال عماد مغنية في شباط واغتيال العميد محمد سليمان في تموز – بشكل مغاير عن الحوادث السابقة. فلم يسرع الى اتهام اسرائيل واكتفى بوصف العمل بالارهابي – الاجرامي. كذلك عمدت وسائل الاعلام السورية الى تعميم الصور عن مسرح الجريمة خلال بضع دقائق بعد ان اعتادت على عرضها بعد بضعة ايام إن عرضت. وحاولت عبر شهادات المصابين التركيز على ان الانفجار استهدف مدنيين وهو عمل ارهابي، كأن النظام البعثي يسوق مسبقا لحجج قد تبرر خطوات مستقبلية له.
وربما من هذه السيناريوات خلق ذريعة للعودة السورية الى لبنان تحت حجة ضرب الاصولية التي قد تتواصل مع الداخل السوري، وذلك بعد تطهير هذا الاخير عبر تكرار واقعة حماه التي حدثت في مطلع الثمانينة. قد يعتبر نظام الاسد ان هذه الذريعة أجدى من تلك التي عممها قبل انسحابه والمراهنة على ان جميع اللبنانيين سيسارعون الى استجداء عودته الى لبنان لانهم سيفشلون في التفاهم في ما بينهم وستندلع حرب اهلية بينهم. كما ان هذا السيناريو يعطي نتائج مباشرة وعودة ميدانية لسوريا الى لبنان افضل من تلك الناجمة عن السيناريو الذي نقله عضو "الحزب السوري القومي الاجتماعي" النائب مروان فارس في 21 ايلول عن بشار الاسد خلال لقائه وفدا من الحزب عبر قوله: "إن المشروع الاميركي في لبنان هُزم، ولبنان سيحتفل بانتصارات جديدة من خلال اجراء الانتخابات النيابية المقبلة في موعدها والتي قد تغير قواعدَ اللعبة بحيث سيتغير الواقع السياسي الراهن لصالح المعارضة، والقوى التي هزمت اسرائيل ستهزُم حلفاءَها في لبنان".
ولكن أياً تكن نوايا نظام الاسد وذرائعه، فـ"الخاصرة الرخوة" بنظره "خنجر حاد" ضد من سيجرؤ على إنتهاك سيادة لبنان هذه المرة. وثورة الارز التي اخرجت السوري لن تسمح له بالعودة لابساً ثوب الحمل. والجيش اللبناني الذي يعيش معمودية دم متواصلة من نهر البارد الى اليوم لن ترهبه يد الارهاب الغادر. وسيبقى رهان اللبنانين الاحرار على المؤسسة العسكرية لفرض الامن الوطني بعيداً عن الامن الذاتي. ومهما إستدعى الاسد أيتامه الى دمشق ليستخدمهم أدوات في بيروت، لن ينجحوا في ضرب مشروع بناء الدولة وإن أبطأوا حركته أحياناً.