لماذا عاد نصرالله عن موقفه المؤيد لحكم الأكثرية ومعارضة الأقلية؟
خلاف محتمل حول تطبيق الديموقراطية بين العددية والتوافقية
توقفت أوساط سياسية عند قول الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في "يوم القدس العالمي"، "ان لبنان بلد خاص، ولن تعالج ازماته او تواجه الاخطار فيه بذهنية الاكثرية والاقلية. فاذا حصل فريق المعارضة على الغالبية في مجلس النواب، فان "حزب الله" يؤكد دعمه لقيام حكومة وحدة وطنية يحضر فيها الشريك الآخر ليكون شريكا في ادارة البلاد، ونحن لا نتطلع الى انتخابات تلغي احدا، فلبنان لا يحكم بالاقلية ولا بالاكثرية".
وقد تساءلت الاوساط نفسها عن اسباب تبدل موقف السيد نصرالله، اذ انه في كلمة سابقة له قبل سنة تقريبا، اعلن ان الاكثرية النيابية التي يفوز بها اي طرف في الانتخابات المقبلة هي التي تحكم والاقلية تعارض، مضيفا: "وصحتين على قلب البيفوز". فهل يكون من اسباب تبدل موقفه عدم وثوقه من فوز قوى 8 آذار والمتحالفين معها في الانتخابات النيابية المقبلة، فأعلن ما أعلنه تحسبا لذلك، وعندها تعود الاقلية التي تنبثق من هذه الانتخابات وتفرض نفسها شريكا في اي حكومة عتيدة يتم تشكيلها، لتصبح "الديموقراطية التوافقية" هي المعمول بها بديلا من الديموقراطية العددية او التعددية وهذا يتطلب اعادة النظر في دستور الطائف الذي حدد في مادته الـ65 المواضيع الاساسية التي تتطلب الموافقة عليها ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. وجعل المشاركة في اتخاذ القرارات تتم بحضور نصاب قانوني لانعقاد مجلس الوزراء لا يقل عن اكثرية ثلثي الاعضاء، بحيث يتخذ قراراته توافقيا، فاذا تعذر ذلك فبالتصويت.
اما المواضيع الاساسية التي تحتاج الى موافقة ثلثي عدد اعضاء الحكومة فهي: تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الاولى وما يعادلها، اعادة النظر في التقسيم الاداري، حل مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الاحوال الشخصية، اقالة الوزراء، فاذا كانت هذه المواضيع غير كافية في نظر من يريدون جعل المشاركة في الحكومة خاضعة لتمثيلهم فيها بالثلث المعطل، فان في امكانهم طلب تعديل المادة 65 من الدستور باضافة مواضيع اخرى اليها تحقيقا للمشاركة المطلوبة. اما ان يصبح اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء حول اي موضوع خاضعا للتوافق والا ظلت هذه القرارات معلقة او معطلة، فهذا يشكل شللا لسير عجلة الدولة ولمؤسساتها ويقيم في لبنان نظاما جديدا هو نظام "الديموقراطية التوافقية" بديلا من النظام "الديموقراطي العددي" الذي بموجبه تحكم الاكثرية والاقلية تعارض كما في كل الدول التي تعتمد هذا النظام.
وعودة الامين العام لـ"حزب الله" الى المطالبة بمشاركة الاقلية الاكثرية في الحكومة، تعني ان قوى 8 آذار والمتحالفين معها اذا فازت بأكثرية المقاعد النيابية في الانتخابات النيابية المقبلة، فانها تعرض على قوى 14 آذار اذا اصبحت اقلية، المشاركة في الحكومة على اساس برنامج عمل يتعارض وسياستها فتعتذر عندئذ عن عدم المشاركة، ويصبح الحكم عندئذ لهذه الاكثرية الجديدة، واذا كان مطلوبا التوافق على هذا البرنامج شرطا لتشكيل حكومة وحدة وطنية او حكومة ائتلافية، فقد يتعذر التوصل الى اتفاق على هذا البرنامج، فتواجه البلاد عندئذ ازمة وزارية يستعصي حلها فتتحول ازمة حكم…
اما اذا فازت قوى 14 آذار والمتحالفين معها باكثرية المقاعد في مجلس النواب المقبل، فان قوى 8 آذار والمتحالفين معها قد تكرر اللعبة السياسية التي مارستها الى ان تم التوصل الى تشكيل الحكومة الحالية وتمثلت فيها الاقلية بـ"الثلث المعطل" بعدما تمكنت بواسطة هذا "الثلث" من تعطيل اجراء الانتخابات الرئاسية مدة ستة اشهر وشل عمل الحكومة بانسحاب الوزراء الشيعة منها، والحؤول دون الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة اكثر من سنة، ونشأ عن ذلك اقفال مجلس النواب المدة نفسها بحجة ان الحكومة القائمة هي حكومة غير شرعية وغير ميثاقية. فهل المطلوب بالعودة الى اشتراط تطبيق نظام الديموقراطية التوافقية، جعل المشاركة في الحكم هدفها المشاكسة وذلك من خلال تطبيق هذا النظام ومن خلال فرض "الثلث المعطل" عند تشكيل اي حكومة، وهذا معناه ان قوى 8 آذار والمتحالفين معها اذا ما فازت باكثرية المقاعد النيابية في الانتخابات النيابية المقبلة، فانها تعرض على قوى 14 آذار المشاركة معها في الحكومة على اساس برنامج قد ترفضه هذه القوى فتستأثر عندئذ هذه الاكثرية الجديدة باتخاذ القرارات. واذا فازت قوى 14 آذار بالاكثرية، فان الاقلية تعود وتتحكم بها بفرض شروطها التعجيزية لتحول دون تمكينها من الحكم كما فعلت حتى الآن، فتصبح الاقلية هي التي تحكم او تتحكم بالاكثرية خلافا لأي نظام وباسم "الديموقراطية التوافقية" التي تفرضها التركيبة اللبنانية الطائفية، والتي تشكل نوعا من "فيديرالية الطوائف" او نظام الاقلية الحاكمة او المحكمة. وهذا من شأنه ان يطرح في البلاد ازمة نظام ينبغي الاتفاق على حل لها والا واجهت ازمة حكم عند تشكيل اي حكومة…
لقد اعلن الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله في احاديث له "ان الدولة العادلة تقوم على اساس الديموقراطية العددية التي لا تستبطن هيمنة شيعية او اسلامية والتي تجعل الوحدة السياسية في المجتمع السياسي هي الفرد المواطن وليس الطائفة، وهي يؤدي الى تساوي المواطنين في حقوقهم وفي واجباتهم ولا تكون هناك وصاية طائفية على اي منهم مما يؤمن لهم الاختيار الحر في المجال السياسي، وان السبيل الى توحيد لبنان هو في مشاركة المسلمين والمسيحيين في الكفاح ضد اسرائيل سياسيا وعسكريا، وان كل من يتسبب في تفرقة المسلمين يرتكب اشد المعاصي نكرا واشد المنكرات حرمة".
وفي ندوات "مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية" التي ينظمها وكانت قبل اسبوع بعنوان: "الديموقراطية اللبنانية تنافس او توافق" شارك فيها عدد من الباحثين والمهتمين بشؤون النظام اللبناني وإشكالياته التي تسببت بالكثير من الازمات ولم تتوصل الى حل نهائي لها، كان اللافت فيها قول الدكتور انطوان مسره: "ان ما يجري في لبنان اليوم لا علاقة له بالتوافقية ولا بالائتلافية، بل هو تلاعب بالنظام اللبناني من النظام السوري واعوانه من اجل جعل نظام الحكم في لبنان غير قابل للحياة، تمهيدا لتفكك الصيغة وعودة المنظومة السورية"…