اقترعوا للتاريخ
من دون لفّ ودوران معركة الانتخابات النيابية المقبلة ستكون مسيحية- مسيحية . فبعض الأقضية ذات الأكثرية السنية والشيعية، بحسب قانون 1960، باتت نتائجها معروفة ولا تحتاج إلى اجتهاد وبحث. بمعنى آخر، يترتب على المسيحيين وتحديداً الموارنة ان يلعبوا الدور التاريخي الذي دأبوا عليه لإنقاذ لبنان مرة أخرى، بما ينسجم مع حضارتهم ونضالهم ووجدانهم المقاوم. هكذا، سيجدون أنفسهم في مواجهة مع تاريخهم، هم الذين كانوا دائماً اوفياء لذاتهم عبر قيامهم بعهد الحرية. فمن كان مع الحرية صادقوه ووفوا بعهده والاّ فهم بحلّ منه. لقد انتفض المسيحيون مرات عدة على ذاتهم عبر التاريخ ونبذوا بعضا من ابنائهم الذين خرجوا من دائرة عقيدتهم بعدما تاهوا في تحالفات وتفاهمات مع كيانات لا تعرف معنى الحرية والسيادة والديموقراطية والولاء للوطن اللبناني. تلك هي طبيعة المواجهة اليوم، بين تيار مسيحي يتمثل بالقوات اللبنانية والكتائب وحزب الوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية وشخصيات مستقلة هاجسهم المحافظة على الخط التاريخي المعروف من البطريرك يوحنا مارون مروراً بإنتزاع البطريرك الياس الحويك اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 وصولاً إلى مقاومتهم المدّ الفلسطيني فالسوري ونيلهم الاستقلال الثاني من خلال ثورة الأرز عام 2005. من جهة أخرى، هناك تيار مسيحي يتمثل بالتيار الوطني الحر والمردة وبعض الشخصيات المستقلة يفهم من تحالفاتهم وافكار قادتهم انهم مصممون على ربط لبنان بالصراع الايراني- الاميركي وجعل لبنان أداة لمواجهة الغرب واسرائيل خدمة لمصالح اقليمية مما سيؤثّر على مصير المسيحيين وحرياتهم وحضورهم في لبنان. بكل بساطة، سيؤدي هذا المشروع إلى المزيد من الانقسامات والتمزّقات والدماء، بل سيقضي في نهاية المطاف على لبنان التعددي الذي كرّسه الموارنة منذ موافقتهم على صيغة 1943 ثم اتفاق الطائف واخيراً اتفاق الدوحة.
أما اذا فاز مسيحيو 8 آذار بأكثرية مقاعد الانتخابات النيابية فتصبح الخيارات على الشكل الاتي:
سيشنّ حزب ولاية الفقيه حروبه من الجنوب اللبناني تنفيذاً لأوامر الفقيه فيدخل الجمهورية اللبنانية كل فترة في متاهات جديدة، فيما النواب المسيحيون يبحثون له عن مبررات وحجج واهية، وقد يدفعون ما تبقّى من المسيحيين إلى الالتحاق بالمقاومة الشيعية، من يدري؟
واذا فاز مسيحيو 8 آذار سيوجّهون الشكر لسوريا عند كل اثم ترتكبه بحق السيادة اللبنانية لأن مصالح حزب الله وبعض الزعماء المسيحيين تقتضي غض النظر عن مطامع "الشقيقة" مهما كانت خطورتها حتى لو أرادت العودة إلى لبنان.
اذا فاز مسيحيو 8 آذار، ستعزز الصراعات المذهبية عبر مناهضة السنة وتحديداً تيار المستقبل رمز الاعتدال في الطائفة السنية بغية اضعافه، مما سيؤدي إلى بروز الحركات السلفيّة. كل ذلك، من أجل تحقيق مكاسب سياسية داخلية لا تخدم المصلحة الوطنية العليا بتاتاً.
اذا فاز مسيحيو 8 آذار سيضيع حق شهداء ثورة الأرز: رفيق الحريري، باسل فليحان، جورج حاوي، سمير قصير، جبران تويني، بيار الجميل، انطوان غانم، وليد عيدو، فرنسوا الحاج ووسام عيد وغيرهم، وسيجدون الف عذر وعذر لتمييع المحكمة الدولية.
اذا فاز مسيحيو 8 آذار ستكرّس "الدولة ضمن الدولة" واداء تعطيل المؤسسات أو تسخيرها لخدمة مشروع حزب الله.
اذا فاز مسيحيو 8 آذار ستفقد بكركي والكنيسة المارونية هيبتها، وسيحاولون الانتقام من البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لمواقفه الوطنية الحكيمة الممانعة لخطّهم التدميري للكيان اللبناني الحقيقي الذي دفع ثمنه المسيحيون آلاف الشهداء.
امام كل هذا الأخطار التي تهدد مصير أرضنا المقدسة، الأرض التي مشى عليها الرب يسوع المسيح، ونشأ عليها عشرات القديسين والنسّاك والرهبان والكنائس والأديار، لا بد للمسيحيين ان يعمدوا إلى تحكيم ضمائرهم والعودة إلى الجذور. فالمواجهة هذه المرة لا تختلف عن المواجهات التي خاضوها ضد الفلسطينيين عندما ظنوا انهم قادرون على انتزاع لبنان كوطن بديل. ولا تختلف عن المواجهة مع السوري في الأشرفية وزحلة وبللا وقنات والكحالة وغيرها.
ليس بالضرورة ان تكون كل معارك الوجود والمصير بالآلة العسكرية بل احياناً تكون فعالة أكثر بواسطة الوسائل الديموقراطية. وها هي الفرصة مؤاتية لإسماع أصحاب المشاريع المشبوهة حكمنا عليهم والعقوبة التي يستأهلونها بعدما استخفّوا بعقولنا وتاجروا بقضيتنا، مستبدلين البرنامج الانتخابي الذي فازوا على أساسه في انتخابات 2005، بورقة تفاهم مع حزب الله لم تكن سوى صفقة مارقة على حساب مبادئنا وثوابتنا التاريخية.
حان وقت الدفاع عن الكيان اللبناني الذي أوجده أجدادنا وآباؤنا على مساحة ال10452 كلم، وكلّفهم كدّا وتعبا واضطهادا وحروبا وخرابا ودماء، لكنهم لم يتنازلوا قيد انملة عن حقوقهم التاريخية كما فعل، ويا للأسف، مسيحيو 8 آذار، والصخور من وادي قاديشا حتى نهر الكلب تشهد على ذلك.
حان وقت الدفاع عن وجود مسيحي أصيب بالانفصام بعدما ضلّل ابناؤه بأوهام وطموحات وشعارات ديماغوجية، والسبيل الوحيد للخلاص هي عمليّة ديموقراطية يكافأ فيها من بذل التضحيات من دمائه وحريته وبقي شامخاً، أميناً على مرتكزات المقاومة المسيحية.
الاقتراع هو الحل الوحيد لتصويب الأخطاء التي ارتكبها من يزعم يومياً انه يمثل 70 في المئة من المسيحيين ولا يجرؤ على تقديم عذر واحد عن الخسائر التي الحقها بهم طوال ثلاثة أعوام من الخيبة والفقر والهجرة. لقد حان الوقت لإستعادة حضورنا وحريتنا وكرامتنا.
