#adsense

إلى ميشال عون

حجم الخط

إلى ميشال عون

بعد «انتفاضة» السادس من شباط (فبراير) 1984 ضد حكم الرئيس امين الجميل، وحتى شباط 1987، تاريخ عودة الجيش السوري الى بيروت، شهد الشطر الغربي من العاصمة اللبنانية، وكان لا يزال مفصولاً قسراً عن شرقها، والعكس صحيح، سلسلة اشتباكات ومعارك بين ميليشيات مختلفة الهوى والانتماء الطائفي، كانت الغالبية العظمى من ضحاياها من المدنيين الابرياء الذين سقطوا في الشوارع او وهم يحاولون الوصول الى منازلهم عبر الحواجز والمحاور والمواقع العسكرية، وإما خطفوا «على الهوية» وقتلوا او احتجزوا الى حين استبدالهم بآخرين لدى الطرف المعادي.

وتبين في ما بعد ان تلك الحروب الصغيرة التي كانت تشتعل بفعل فاعل، كان هدفها اشاعة الفوضى واليأس في نفوس سكان العاصمة، واقناع اللبنانيين بأنهم لا يستسيغون العيش معاً، وان رغبتهم في الاقتتال تفوق بكثير توقهم الى حياة آمنة، وتهيئتهم والعالم لقبول فكرة عودة القوات السورية «الوحيدة القادرة على ضبط الامن».

كنت في تلك الفترة اعمل في مؤسسة محلية في بيروت، يقع مبناها في وسط منطقة الحمراء، التي كانت الميليشيات المختلفة تعتبرها «استراتيجية» بسبب كثرة «مواردها» وسهولة جمع «التبرعات» من مؤسساتها. وذات مساء زارنا مسؤول مصرفي كبير كان يحتل موقعاً مهماً في البنك المركزي، وكان على علاقة قديمة بالسياسة. وبعد حوالي نصف ساعة بدأت معلومات ترد عن توتر بين اثنين من الميليشيات، وبدأنا نسمع رشقات نارية بعيدة. قرر الضيف ان يعود الى بيته قبل ان يحتدم القتال، وكان لا يبعد عنا سوى كيلومتر واحد تقريباً، وقال انه سيسلك شارعاً لا يشهد عادة قتالاً وليس فيه مسلحون. لكنه ما ان ابتعد خمسين متراً حتى فوجئ بحاجز لأحد طرفي القتال يطلب منه عناصره ابراز هويته، فعرّف عن نفسه، لكنهم طلبوا هوية سائقه. وعندما عرفوا انه من «الاعداء» انزلوه وعصبوا عينيه وقيدوا يديه، على رغم تدخل المصرفي ورجائه لهم ان يأخذوه بدلاً منه.

وأدى إلحاح الرجل وتمسكه بسائقه بأحد المسلحين الى اطلاق النار بالقرب منه، فهرول عائدا الى مبنى المؤسسة مستغيثاً ببضعة حراس عند مدخلها حاولوا اقناعه بأن الحوار مع المسلحين مستحيل. وبعدما هدأ روعه، بدأت سلسلة اتصالات طويلة ومضنية شارك فيها مسؤولو المؤسسة مع قيادات الميليشيا التي خطفت السائق. وكان المصرفي يردد انه لن يذهب الى بيته الا وقد استعاد السائق، وانه لن يستطيع النظر في عيون اطفاله وزوجته وهو الذي «تسبب» في خطفه عندما انتزعه من بينهم ليرافقه في زيارته.

خمس ساعات ثقيلة مرت الى ان تم «العثور» على مكان احتجاز السائق، وكان ذلك، بحسب رواية قياديي الميليشيا، قبل تنفيذ قرار «تصفيته» بقليل. وعندما وصل برفقة عناصر الميليشيا الى المبنى، هرع الرجل الى استقباله باكيا ومعانقا، وقال: الآن نستطيع العودة الى البيت.

هذا المصرفي صاحب الضمير كان فؤاد السنيورة. فهل نخشى على الخزينة من رجل مثله؟

حتى السوريون، حلفاؤك الجدد الذين لا يطيقون مجرد سماع اسم السنيورة لم يصلوا الى حد اتهامه بالسرقة. ألا قليلاً من التعقل أيها الجنرال.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل