حتى لو انضم بن لادن إلى 14 آذار (!) لن يعطى "التفويض الدولي" لسوريا
النظام المصنّف على لائحة الإرهاب معنيّ فقط بلجم إرهابه
ثمّة طروحات لا ينفي خبثها حقيقة ما يعتريها من مسّ جنون. من هذه الطروحات أن "سوريا بصدد العودة إلى لبنان" أو أنّ "الأقضية الأربعة بصدد العودة إلى سوريا".
فالـ"عودة إلى لبنان" ما زالت تدغدغ عقل الحاكم في سوريا وهو يتصور أن المجاهرة بذلك يقوّيه وأن نجاحه في ابقاء المسألة قيد التداول وموضع الأخذ والرّد بين الفينة والفينة من شأنه أن يؤهّله للنفاذ مجدّداً إلى الواقع اللبناني ونيل تفويض جزئي يتكفّل لاحقاً بتوسيعه وإطالة مدّته.
الحاكم السوري يعامل نفسه على أنّه "منفيّ" عن لبنان. لا ينفكّ يردّد لندمائه وخلاّنه أن سنوات "نفيه" القسري هذه انعكست شقاء على اللبنانيين وأنّه لأجل ذلك "عائد". فالـ"الفراغ" الذي نشأ بسبب جلائه المتسرّع عن لبنان همّت بشغله "مجموعات متطرفة" تتعاطى "الإرهاب الدولي" ويشكّل التخلص منها عنصر تقاطع موضوعي بين المصالح الإقليمية والدولية. إذاً فغلطة الإستقلال اللبناني بألف وقد بات من الممكن تنعّم الحاكم السوري بتوكيل دوليّ جديد يطلق حركته في لبنان. هذا ما يريد الحاكم السوريّ أن نظنّه، إذ هو يأمل أن يسارع اللبنانيون، بكل أطيافهم، إلى منحه هذا التوكيل بأنفسهم، قبل أن يضطروا لذلك بضغط من المجتمع الدولي في ما بعد.
كل هذا السيناريو يجمله الحاكم السوري تحت يافطة "مكافحة الإرهاب" مع أنّ نظامه ـ وليس لبنان ـ هو المدرج تقليدياً على لوائح مساندة الإرهاب، وهو الذي توجّه إليه الإتهامات بإرتكابات في سني وصايته على لبنان، والمحكمة المعنية بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والجرائم الأخرى المتسلسلة من بعدها ما كانت لتكون "دولية" لولا أنّ الجريمة الكبرى حدثت في ذروة عهد الوصاية.
ولا شكّ أن الحاكم السوري "يستوحي" شيئاً ما من تجربة الحرب الرّوسية على جورجيا أو حتى من تجربة التوغّل العسكري التركي في شمال العراق، لكنه حتى في هذا المجال تبقى مهمّته اللبنانية أكثر من مستحيلة: فروسيا دخلت إلى المناطق "الإنفصالية" في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا ولم تطل المكوث في المناطق المحض جورجية، في حين أن ما يطالب به الحاكم السوري هو الإنتشار في مناطق 14 آذار وليس أبداً في المناطق الموالية لـ 8 آذار. أما تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي فلم تنجح في الحصول على ضوء أخضر حقيقي يسند حملتها على تنظيم مصنّف إرهابياً كـ"حزب العمّال الكردستاني" الذي كان للنظام السوري باع طويل في ايوائه ثم إسهام خاص في تسليم زعيمه.
يزيّن الحاكم السوري لنفسه أن ما يطالب به في لبنان أمر تطبع عليه العالم في السنوات الأخيرة. لكنه لا يلبث أن يصطدم بواقعة أن ما يطالب به هو "سابقة" بكل المعايير: دولة مصنّفة على لائحة مساندة الإرهاب تطالب بالدخول إلى دولة ليست مصنّفة كذلك وتحت حجّة مكافحة الإرهاب. صحيح أن سوريا مطالبة دولياً بمكافحة الإرهاب إنما من خلال الإقلاع عن ايواء جماعاته أو توجيهها وليس من خلال تصديره بطرق جانبية وتحت شعار "مكافحته" عند الغير.
بيد أن الخطاب الرسمي في سوريا لا يهتم بهذه المفارقات. الأساسي عنده أنّه ما زال قادراً على طرح شعار "العودة إلى لبنان" في سوق التداول. هذا الخطاب يدرك تماماً أنّ نظامه سيعاقب إن حاول الدخول مجدّداً إلى لبنان، لكنه يدرك في المقابل أنّه لن يساءل إن ظلّ يلوّح بـ"تفويض" وهمي أعطي له للنفاذ إلى الوضع اللبناني. ولكن على افتراض أن سوريا أعطي لها مثل هذا التفويض لمكافحة التطرّف في شمال لبنان، ما هي قلاع "السلفية" التي ستواجهها؟ "تيار المستقبل" و"القوات اللبنانية" و"الكتائب اللبنانية" و"التقدمي الإشتراكي" و"الوطنيون الأحرار". لقد أفرغ الإعلام الحربي المتسورن المفردات من دلالاتها. وتهمة "السلفية" صار هذا الإعلام يستخدمها بما يثير الشفقة على كتّابه، والصحف الصفراء التي أمضت وقتاً طويلاً وهي تحاول التوفيق بين يسار "مناهضة العولمة" وبين ثقافة العمليات الإنتحارية صار شغلها الشاغل اليوم توجيه التهمة للطائفة السنّية بمجموعها على أنّها "سلفية"، بل صار لفيف 14 آذار بأسره يوصف بالـ"السلفي". نحن في زمن يحسب أشياع سوريا فيه أنطوان زهرا ونايلة معوض في عداد "السلفيين" فيما يعدّ خالد مشعل "تقدمياً" و"مادياً جدلياً".
كثيرون يتصوّرون في العالم الثالث أن السائح الأوروبي طيّب القلب ويمكن بيعه أي شيء. لكن أنظمة قليلة في العالم الثالث هي التي تتصوّر أنّ الدول الكبرى هي مثل هذا السائح الساذج ويمكن تسويق أي شيء لنيل تفويض منها، حتى لو كان هذا الشيء على شاكلة التدخّل في لبنان لمكافحة "الإرهاب السلفي الإسلامي" للقوات والكتائب والوطنيين الأحرار وحماية العلمانية المدنية ممثلة بحماس وحزب الله. طبعاً البعض في الإعلام الحربي المتسورن وجد النكتة سيئة التجهيز فأضاف عليها أن "قوى 14 آذار" باتت منفتحة هي الأخرى على التدخّل السوري للجم حزب الله. هنا يتداعى الخبث ويظهر نقياً خالصاً مركّب العته والجنون.
عندما يفكّر النظام السوري بمكافحة الإرهاب كذريعة للتدخّل في لبنان، وعندما يخلط الإعلام الحربي المعاون له بين تراث ابن تيمية وابن القيم وبين تراث مار يوحنا مارون ومار سمعان العمودي فإن المسألة تقارب أولاً من زاوية الطب النفسي. أما على صعيد الواقع السياسي فحتى لو أعلن الشيخ أسامة بن لادن انتماءه شخصياً إلى حركة 14 آذار فلن تستطيع سوريا أن تنتزع مثل هذا "الضوء الأخضر". حال سوريا اليوم كحال بائع جوّال يبيع مستحضراً يعرف الجميع أنه فقد صلاحيته منذ وقت طويل: العالم ما عاد يخاف بن لادن. العالم يتحضّر لمعالجة مشكلة مختصرها محمود أحمدي نجاد. والمطلوب من سوريا أميركياً وأوروبياً اليوم إشارات معينة على خط العلاقة التي تجمعها بنجاد وليس على صعيد محاربة بن لادن في لبنان!.