الافتراق؟
على الرغم من التطابق الذي ساد المشروعين الايراني والسوري في بدايات التحالف والتعاون بين البلدين على جميع المستويات في المنطقة ، وعلى الرغم من المؤشرات التي قدمتها الدولتان الى الرغبة في الاستمرار في التعاون المتكامل بينهما خصوصاً على مستوى التعاطي مع الملفات الساخنة في العراق وفلسطين ولبنان ، ورغم ما تردد سابقاً عن التغلغل الايراني الواسع في مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والامنية في سوريا ! فإن دلائل متتابعة تؤشر الى ان حرب تموز وما تبعها كانت نقطة مفصلية في علاقة الدولتين ، وان الرفض السوري للمشاركة فيها او حتى السماح بإقتراب نارها من الحدود والمصالح السورية ! وما تأكد عن جولة مفاوضات سورية – اسرائيلية عشية الحرب قادها رجل الاعمال الاميركي السوري الاصل ابراهيم سليمان ، شكلت بداية النقزة الايرانية – الحزب الهية التي وصلت مؤخراً الى حد التعميم على قياديي حزب الله بعدم زيارة دمشق راهناً لأسباب امنية كما تردد !!
ولبنانياً ، تقدم الدولتان اشارات الى الافتراق في السعي الى تحقيق هدف كل منهما ، على الرغم من ان هذا الهدف يكاد يكون موحداً ، فسوريا الراغبة باستعادة الامساك بالورقة اللبنانية ، تعرف تماماً مخاطر ان يكون حزب ايران ضمن الساعين لحسابها او في مشروعها ! والاسباب متعددة واولها الاشتراط الاسرائيلي بالابتعاد عن التبعية لايران ومنع امرار السلاح لحزبها في لبنان وقطع دروب تدخلها هناك ! والبديل عن السخاء الايراني ظهر بوضوح خلال القمة الرباعية التي انعقدت في دمشق ، وسيل المساعدات البديلة ! (العربية ) تنتظر اشارات تأكد اميركية – عربية الى سير دمشق ونظامها في مشروع الابتعاد عن الخط الايراني وادارة الظهر له في البقع الساخنة اقليمياً خصوصاً منها فلسطين ولبنان !
اما على المستوى الايراني ، فإن حزب الله سيكشف يوماً (وهو قد اكتشف ) ان مواجهة قراري الحكومة اللبنانية حول شبكة اتصالاته واقالة رئيس جهاز امن مطار بيروت بالسلاح ، هو توريط سوري شكل الباء في موضوع جرّه الى نزاعات مذهبية مدمرة هي اول الطريق المرسوم لقصقصة جناحيه وتحجيم دوره ! ومن هنا جاء التدخل الايراني الدافع للذهاب الى الدوحة اولاً ، والى تقديم التنازلات التي اوصلت الى الحل التوافقي الذي انجزت بنوده السياسية الثلاث وما زال فيه فقط الاستراتيجية الدفاعية وسلاح الحزب المطروحين على طاولة الحوار في قصر بعبدا .
واما الافتراق على مستوى الهيمنة الداخلية في لبنان ، فيظهر بوضوح من سعي سوريا للعودة عبر اشهار ورقة الاصولية التي كانت في اساس الالتزام السوري الاول مطلع التسعينات والتي تحاول دمشق استعادة بريقها عبر محاولة العودة الى الشمال اللبناني لمواجهة السلفيين فيه ! واتاحة المجال لحلفائها بالتالي من استثمار العودة (او حتى التلويح بها ) لتحسين اوضاعهم السياسية وتحقيق انتصار ! او اقله تعادل سياسي يجعل تدخلاتها مستقبلاً مشروعة بحجة السعي لتقريب وجهات النظر وازالة العوائق المتأتية من التدخلات السورية نفسها ! وهو ما فعلته دمشق طوال مرحلة ما قبل الوصاية وبدايات تلك المرحلة !
اما على مستوى حزب الله ، فإن مساعيه للمصالحات والمصارحات في الداخل اللبناني ترمي الى تأجيل وصول " حوار السلاح " الى نتائج ! علّه وعسى تأتي نتائج الاتنخابات القادمة على ما يشتهي الحزب ! او تجعل التطورات الاقليمية مقاربة مسألة الاستراتيجية الدفاعية امراً يمكن تأجيله الى مواعيد لاحقة بعيدة !
ومن الافتراق السوري – الايراني يمكن فهم التفجيرات والاغتيالات في دمشق وطرابلس والجبل ومخيم عين الحلوة ايضاً ! ويمكن توقع استمرارها حتى وصول الامور الى خواتيم مرضية لأحد فريقي التباعد ! او وصولهما الى الفشل المشترك في المساعي الافرادية لوضع اليد على لبنان واوراقه السياسية والعسكرية الاستراتيجية ! .