#adsense

الدخول السوري مستحيل لكن ماذا عن “التدخل”؟

حجم الخط

رئيس الجمهورية يسعى إلى الطمأنة ويعتمد أسلوب "الاحتواء" لكن "براءة الأطفال" ليست في عيون الأسد
"الدخول" السوري مستحيل لكن ماذا عن "التدخل"؟

خلال عطلة عيد الفطر، نقل وزير الداخلية زياد بارود عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان قوله إن "موضوع الحدود (الشمالية بين لبنان وسوريا) هو جزء من توافق أو تفاهم مع الجانب السوري للمصلحة المشتركة للبلدين، من أجل أن يكون هناك تحصين للحدود من الجانبين منعاً لأي مشاكل قد تحدث"، مضيفاً انّ "الإنتشار السوري على الحدود يدخل في هذا السياق وينبغي النظر إليه من هذه الزاوية".

موقف سليمان.. وبيان قيادة الجيش

غنيّ عن القول إن هذا الموقف للرئيس سليمان ليس رداً على التصريحات الأخيرة للرئيس السوري بشار الأسد التي يزعم فيها ان الشمال اللبناني بات قاعدة للتطرف تشكل خطراً على أمن سوريا. غير أنه ـ أي موقف سليمان ـ يذهب في الاتجاه نفسه للبيان الذي اصدرته قيادة الجيش بعد الإنتشار السوري شمالاً و"أكثر".

في 23 أيلول الماضي، أكدت قيادة الجيس أن "القيادة السورية أبلغت قيادة الجيش بالنشاطات المرتقبة على الحدود الشمالية داخل الأراضي السورية في شكل مسبق موضحة طبيعة هذه النشاطات وأبعادها العملانية والأمنية".
إذاً، بيان قيادة الجيش يتحدث عن تبلّغ مسبق من الجانب السوري. أما موقف الرئيس فيشير الى "توافق أو تفاهم مع الجانب السوري" أي إلى "ما يشبه" الموقف المشترك.

سليمان المطمئن.. يطمئن و"يحتوي"

بطبيعة الحال، لم يكن خافياً أن بيان قيادة الجيش كان يهدف الى طمأنة اللبنانيين بأن لا إستهدافات داخل لبنان للإنتشار السوري. أما رئيس الجمهورية فاختار أن "يصعّد" الطمأنة بحديثه عن "تفاهم" و"توافق". وعلى ما يبدو، فان الرئيس الذي يميل الى إعتماد أسلوب "الإحتواء"، واذ يملك معطيات تجعله متأكداً من أن الإنتشار السوري لن يتحوّل دخولاً سورياً إلى لبنان من البوابة الشمالية، إختار أن يطمئن اللبنانيين "مستعيناً" برصيده الكبير لديهم.

غير أن ما جعل الإنتشار السوري شمالاً يثير النقاش والبحث.. والمخاوف، هو إرتباطه بالتصريحات الأخيرة للأسد من جهة وبالكلام السوري "المسرّب" إعلامياً عن طلب دمشق "تنسيقاً" أمنياً أو "إتفاقاً" أمنياً مع لبنان من جهة أخرى.

نظام الأسد ينفي القدرة على ضبط الحدود.. وينتشر!

وهنا، لا بدّ من التركيز على عدد من النقاط الرئيسيّة.
النقطة الاولى، هي أنه لا يمكن النظر الى الإنتشار السوري قبالة الحدود اللبنانية الشمالية على أنه في إطار مسعى النظام في دمشق لـ"ضبط" الحدود من جانبها السوري. ذلك أن نظام الأسد، وعلى ألسنة مسؤولين فيه، حمل خلال السنوات الماضية "نظرية" إستحالة ضبط الحدود. فبعد أن هدّد بشار الأسد بأن لبنان "سيصبح مركزاً للقاعدة"، جرت مطالبته لبنانياً وعربياً ودولياً باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع "تسرّب القاعدة" الى لبنان من سوريّا.. فكان جوابه انّه لا يمكن ضبط الحدود، لأن الحدود بين سوريا ولبنان طويلة ولأن السيطرة الكاملة على السهول والوديان والممرات متعذّرة. كذلك، عندما يُطالب النظام في سوريا بمنع وصول السلاح الى "حزب الله" عبر سوريا، يرد بإستحالة ضبط الحدود.

والنقطة الثانية، التي يمكن إستنتاجها من الأولى مباشرة، هي ان نفي إمكان ضبط الحدود، هو "الداعم" لنظرية الإمساك بالأمن من الداخل، أي من داخل لبنان.

التعاون الأمني و"فيصل" السيادة

والنقطة الثالثة التي يفيد إيرادها في هذا السياق، هي أن أحداً في لبنان لا يمكنه أن يرفض قيام تعاون أمني لبناني ـ سوري لمصلحة البلدين، فذلك من صلب إتفاق الطائف في باب العلاقة اللبنانية ـ السورية. وليس من لبناني عاقل يرفض تعاوناً لمكافحة الإرهاب، خصوصاً انّ الإرهاب "الوارد" الى لبنان من صنع المخابرات السوريّة. غير أنّ التعاون الأمني ـ أو التنسيق الأمني ـ يُفترض أن يقوم ويتم بين دولتين سيدتين. والحال أنّ سيادة لبنان لا تعني للنظام السوري شيئاً.

وأن يكون ثمة تعاون أمني بين دولتين سيدتين، فذلك يعني ألا تبادر إحدى الدولتين من تلقاء نفسها ـ أي من جانب واحد ـ الى تحديد من تعتبره خطراً عليها في الدولة الثانية.
ويعني انه لا يحق لإحدى الدولتين أن تفرض على الدولة الثانية تعريفها هي للخطر ومصدره (خصوصاً إذا كان للنظام السوري تحديده للأعداء في لبنان).

ويعني ألا تكون لإحدى الدولتين شبكات مخابراتية داخل الدولة الأخرى.
ويعني أن ليس من "حقوق" أمنية "مكتسبة" لإحدى الدولتين في الدولة الثانية، ولا يمكنها أن تهدّد بتحريك قواتها الى داخل أراضي الدولة الأخرى ولا أن تحرك قواتها بالفعل.
ويعني أن ثمة مرجعيات دستورية تتم العودة اليها في البلد السيد وأن أي طلبات تتم وفقاً للقانون الدولي.

"النوايا" السورية المعلنة

أما النقطة الرئيسية الرابعة فهي أنه لا يمكن اللبنانيين أن يتعاطوا مع نظام الأسد و"كأن براءة الأطفال في عينيه". فهذا النظام هدّد، بما في ذلك بـ"تكسير" لبنان ونفّذ تهديداته. وهو منذ الانسحاب من لبنان، الذي لم "يبلعه" يقود حملة تقويض لاستقرار البلد ونظامه السياسي ومؤسساته وإستقلاله. ومع أنه "قيل" أن هذا النظام "تعهّد" للفرنسيين والقطريين بالتوقف عن التفجيرات والاغتيالات في لبنان تزامناً مع "إتفاق الدوحة"، فهو لا يتردّد في إعلان نواياه بـ"فرض" تغيير مؤات له في البلد. بل أكثر من ذلك، وفي تصريحاته الأخيرة نفسها، رفض الاعتراف بالضمانتَين اللتين يمثّلهما رئيس الجمهورية و"حكومة الوحدة الوطنية" للعلاقة اللبنانية ـ السورية، وربط العلاقة ومستقبلها بالتغيير في لبنان.

والنقطة الخامسة هي أنه إذا كان صحيحاً تماماً بالفعل أن تصريحات الأسد أدّت الى "تفويع" العالم ضدّه من جديد، ما اقتضى خصوصاً من فرنسا التي قادت ما سمّته "الانفتاح المشروط" عليه تذكيره بأنه قيد "إمتحان" مستمرّ لـ"سلوكه" وبأن "العلامة اللاغية" في هذا الامتحان ستكون لبنان إذا ما عاود "سيرته القديمة".. فالصحيح أيضاً أن النظام في سوريا يحاول "إستغفال" المجتمع الدولي والوضع العربي إذا استطاع او كلما "تراءى" له انه يستطيع.

"العودة" مستحيلة لكن التخريب قائم

ما الممكن إستنتاجه إذاً من كل ما تقدّم.
بالتأكيد، ليس في وسع نظام الأسد أن يحلم بالعودة الى لبنان. لكنه سيسعى باستمرار الى التدخّل والتخريب في لبنان، وإحدى "مناسبات" التدخّل والتخريب هي الانتخابات النيابية المقبلة، أي تخريب "مناخها" السلمي الديموقراطي.

وبالتأكيد، إن اللبنانيين الذين يقرأون جيداً المعطيات الدولية والإقليمية مطمئنون الى إستحالة الدخول السوري. ويزيد موقف الرئيس سليمان ـ أي خلفية هذا الموقف ـ إطمئنانهم. لكن ذلك لا يُعفي من أن تكون الدولة متنبّهة إزاء ما يخطّط هذا النظام له. وأن تكون الدولة متنبّهة ويقِظة فذلك يستدعي أن تكون "مؤسسة" مجلس الوزراء حاضرةً في هذا الموضوع. وكي تكون حاضرة، لا يمكن لرئيس مجلس الوزراء أن يعلم متأخراً عن أي أمر، أو أن يكون في صدد البحث عن أسباب الانتشار السوري إذا كان يعلمها سواه. ذلك أن عهد الرئيس ميشال سليمان هو المأمول به لتأكيد وحدة "السلطة" التنفيذية. وفي جميع الأحوال، إذا كان ما لا شك فيه أن الدخول السوري مستحيل، فليس هناك أي ضمانة من ألاّ يكون الانتشار السوري غطاءً لتهريب أسلحة ومسلّحين الى داخل لبنان اي لـ"التدخل" فيه. وإذا كان من أمر ينبغي توقّعه، فهو إجراءات لبنانية مقابلة من داخل الحدود، وهي إجراءات ستكون "مرئية" حتماً عندما تحصل. وكل ذلك ما يعزّز المطالبة بتعزيز المؤسسات العسكرية والأمنية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل