#adsense

لا مارونية سياسية في غياب

حجم الخط

لا مارونية سياسية في غياب …

نمط حياة المجتمع الماروني عبر التاريخ مهَّد لأن يتبوأ الموارنة الدور السياسي الأول في لبنان. وابتعاد الموارنة عن هذا النمط أثّر على فاعلية دورهم أكثر من الهزائم العسكرية ومن الاقتتال في ما بينهم. وما كانت مآسيهم العسكرية والسياسية لتقع لو التزموا مبادئهم المسيحية والوطنية. وفي الأساس، لم ينجح الموارنة في التحول من مجموعة ثانوية إلى شعب بنى دولة، بقوتهم العسكرية بل بالتزامهم القيم والدين والأخلاق والاستعداد الدائم للتضحية والفداء. وعبثاً يحاول الموارنة اليوم، أن ينعشوا دورهم التاريخي أو أن يحدِّثوه (مقالي في "قضايا النهار" في 08 آب 2008) ما لم يعودوا إلى نمط حياتهم السابق ويلتزموا القيم التي ميّزتهم عن سواهم في هذا الشرق. الدور المميز يستلزم مجتمعاً مميزاً، والمجتمع المميز يستدعي تضحية ما. والتضحية مبدأ لازم العهد القديم منذ إبرهيم الخليل، والعهد الجديد منذ يسوع المسيح.

إن المجتمع الماروني اللبناني، في وضعه الحالي، غيرُ مؤهَّـلٍ لإحداث النقلة النوعية واستعادة المبادرة، فكيف بمحافظته على الدور المسيحي التقليدي؟ أكثر من ذلك، لن يتمكن الموارنة من حماية وجودهم (ولو بدون لعب دور سياسي أو وطني) ما لم يعيدوا النظر في نمط عيشهم الحالي ويعوا المخاطر القديمة الباقية والجديدة المطلة، وينخرطوا في إطار مؤسسي جامع لمواجهتها.

من لا يقبل هذا القدر يعيد الشرق إلى ما قبل المسيح، ولبنان إلى ما قبل صيغة التعايش الإسلامي – المسيحي، ويضع المسلمين اللبنانيين وجهاً لوجه أمام فِـتَنِهم المذهبية التاريخية المفتوحة. من لا يقبل هذا القدر لن يجد السعادة الحقيقة الفردية أو الجماعية في أي مكان من العالم، إذ لا سعادة في نكران التراث وفي البعد عن مثوى الآباء والأجداد.

دور الموارنة في لبنان يبدأ بواجباتهم تجاه لبنان: كلما قاموا بواجباتهم حافظوا على دورهم. كلما قاوموا وتفوقوا وأعطوا وتميزوا بالقيم والأخلاق حافظوا على دورهم. كلما اتحدوا واختاروا قادة جديرين بالقيادة حافظوا على دورهم. كلما طوّبوا قديسين كشربل والحرديني ورفقا والحدادي والدويهي حافظوا على دورهم. كلما زرعوا شجرة عن نفوس شهدائهم وسألوا خاطر أهاليهم حافظوا على دورهم. كلما قاوموا إغراءات الهجرة وتركّزوا في قراهم ومناطقهم وأرضهم واستثمروها حافظوا على دورهم. من كان يهاجر سابقاً الفقير والجائع والعاطل عن العمل، أما اليوم فيهاجر الغني والعامل. ولدت ثقافة الهجرة وغلبت ثقافة البقاء، وباتت نزعة الثروة الفاحشة أقوى من نزعة الحياة الهانئة.

لم يكن دور الموارنة مصاناً لمجرّد أن رئيس الجمهورية كان يتمتع بصلاحيات واسعة، بل لأن كنائسهم كانت مليئة بالمصلين، وطوائفهم زاخرة بالكهنة والرهبان الجدد، وبطريركيتهم حاضنة الجميع ولا تسمح لأحد بالتطاول عليها. كان دورهم مصاناً لأن مؤسساتهم السياسية والحزبية والدينية كانت تعج بالجماهير والنخب، ومجتمعهم يحترم التقاليد والعادات ويسير على هدي الآباء والأجداد، وعائلاتهم تنجب للأمة نساء ورجالاً. كان دورهم مصاناً لأن مستوى التعليم والرقي في مدارسهم ومعاهدهم كان عالياً، وشبابهم يحلمون بدخول المدرسة الحربية ومؤسسات الدولة. كان دورهم مصاناً لأنهم كانوا قانعين مادياً في نمط العيش وطموحين روحياً إلى مجد الحياة، يرتضون الرفاهية بدون ترف، والفرح بدون فسق، والانفتاح بدون ذوبان، والإيمان بدون تعصب والعلمنة بدون إلحاد. كان دورهم مصاناً لأن قادتهم كانوا يتخطون خلافاتهم مهما تفاقمت، ويسمون إلى المصلحة الوطنية مهما علت. لأنهم كانوا كذلك، كانت صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني واسعة. لم ينل الموارنة في لبنان، أي هدية مجانية عبر تاريخهم. كل ما بلغوه مضرج بالكفاح والتضحيات، وما حصلوا عليه جاء تتويجاً لنجاح سابق لا أحقية مسبقة.

هكذا تعود الحقوق إلى الموارنة والأدوار والرسالة، لا بشعارات مرحلية يسحبها البعض من الجارور عشية الانتخابات ليعيدها إليه بعد انتهائها. يعود دور الموارنة يوم يبتدعون للدولة اللبنانية مشاريع حلول تنعكس على كل اللبنانيين، منها: الحياد، العلمنة المؤمنة، اللامركزية الواسعة، الدائرة الفردية في الانتخابات النيابية، نزع السلاح غير الشرعي الفلسطيني واللبناني، تنفيذ القرارات الدولية، جلب الأمن والاستقرار، تعزيز موقع رئاسة الجمهورية، الاعتراف بحقوق المغتربين، طرح حل لرحيل الفلسطينيين من لبنان مستقل عن مشروع حق العودة، بناء دولة سيدة، عدم الالتحاق بمشاريع ضد شكل لبنان وجوهره وصيغته ودوره.

تحقيق هذه القضايا الكبرى هو الذي يحافظ على الموارنة، لا السجالات الانتخابية والشعارات الشعبوية. لن يستعيد الموارنة دورهم بحروب دموية وعبثية في ما بينهم، ولا بالاستقواء بالخارج ولا بإقامة تحالفات خارجة عن طبيعتهم ومحيطهم. لن يستعيد الموارنة دورهم بإثارة النعرات الطائفية، وإضعاف الطوائف الأخرى، بل بصدّ التدخلات الخارجية في شؤونهم. حين ينسحب الغرباء يقوى لبنان، وحين يقوى لبنان يتعافى الموارنة. وحين يتعافون يشمخ دورهم وتكبر مسؤولياتهم وتالياً تزيد صلاحياتهم. الدور المعني هنا هو دور الموارنة كمواطنين لا كأبناء كنيسة، أي مصير المارونية السياسية.

رغم اسمها، ليست المارونية السياسية حكراً على الموارنة أو على المسيحيين، بل شملت لبنانيين من كل الطوائف، وضمت في مفهومها الوطني رجالاً كرياض الصلح وعادل عسيران وسامي الصلح وكاظم الخليل وكامل الأسعد وشارل مالك، إلخ… وفي هذا السياق، إن الأركان المسلمين في 14 آذار ينتمون وطنياً إلى مبادئ المارونية السياسية، فيما لا ينتمي إليها موارنة لا يؤمنون بالفكرة اللبنانية والسيادة، ولا يميزون بين لبنان وسوريا، وبين الدولة اللبنانية والثورة الفلسطينية، وبين الغريب وابن الوطن، ولا يخلصون لفكرة لبنان أولاً وآخرا.

لذا، يحتاج الموارنة اليوم سياسة مارونية جديدة تحدّث المارونية السياسية لتبقى حالة وطنية تتخطى تسميتها الطائفية. إن المرحلة الحالية مؤآتية لاستنهاض الدور المسيحي الطليعي، فالوقائع كشفت أن ضعف الدور المسيحي لم يحدث خللاً طائفياً في التوازن اللبناني فقط، بل عطل الحياة السياسية وشل الدورة الدستورية وفجر بركان الفتن المذهبية. حين كان الدور المسيحي قوياً، تخطي كل التحديات وانتصر مشروع وحدة الدولة. حين كان الدور المسيحي قوياً عرف لبنان شتى أنواع الأخطار سوى خطرين: التقسيم والاقتتال السني – الشيعي. أما اليوم فهذان الخطران أصبحا أمراً واقعاً. الأول نعيشه ولا نعترف به، والثاني ننكره ونمارسه.

لقد نجح الموارنة في انتخاب رئيس جديد محترم، في الحصول على مناصب وزارية مهمة، في إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية لقانون الانتخابات النيابية، وفي الحفاظ على الأمن في مناطقهم رغم الانقسام السياسي. وعاد وهج رئيس الجمهورية مرجعاً رئيسياً في تأليف الحكومة وصياغة البيان الوزاري على أساس خطاب قسمه، والمحاور الرئيسي لسوريا من أجل تطبيع العلاقات الثنائية وإقامة تمثيل ديبلوماسي وترسيم الحدود، والمبادر بإطلاق الحوار الوطني، والمؤتمن على وضع مشروع استراتيجية دفاعية.

غير أن هذه الانتعاش الماروني يبقى ظرفياً ما لم تُسعفه وحدة الصف المسيحي. فإذا قانون الستين، مُعَدَّلاً، أعطى المسيحيين فرصة اختيار ثلثي نوابهم على الأقل، فلا قيمة للنواب المسيحيين إذا توزعوا بعد انتخابهم على تياري "المستقبل" السني و"حزب الله" الشيعي.

فاعلية الدور النيابي المسيحي الجديد هي في تشكيل واحة سياسية مستقلة تنسق مع رئيس الجمهورية لتقوّي موقعه وتعوّض محدودية صلاحياته من جهة، وتنفتح على الحالتين السنية والشيعية لتحد من انقساماتهما وتضمن التوازن داخل الحياة السياسة اللبنانية من جهة أخرى. دور المسيحيين أن يكونوا قوة دعم ووصل وتوفيق بين المتنازعين، لا قوة تمرد على الشرعية (الوطنية) ولا قوة فصل واستغلال لانقسامات شركائهم في الوطن. من وحي هذه الثوابت تنجح المصالحات أو تخفق التحالفات. اتّـقوا التشاؤم واحذَروا التفاؤل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل