#adsense

عون: الانقلاب على السيادة والثبات على المكابرة

حجم الخط

كل أقطاب الحرب الأهلية اعترفوا بأخطاء تسبّبوا بها إلا هو
ميشال عون: الانقلاب على السيادة والثبات على المكابرة

قدّم معظم أقطاب الحرب الأهلية المخضرمين اعتذارات جزئية أو كلّية تتعلّق بمسؤولياتهم السياسية والأمنية خلالها. جاء ذلك في مواقيت مختلفة وبأشكال متفاوتة كاد بعضها أن يتكشّف جلداً للذات فيما ظلّ بعضها الآخر أقرب ما يكون إلى التبرير. لكنّ المهم أن معظم الأقطاب المخضرمين للحرب الأهلية أبدوا حرصهم بشكل من الأشكال على تعديل الخطاب بعد الحرب والإقلاع عن تصويرها كملحمة يقيم أخيارها وأشرارها على طرفي نقيض.
فمعظم تلاوين "الحركة الوطنية" تقرّ اليوم بأنها غالت في الاعتماد على العامل الفلسطيني المسلّح وزجّته في آتون الصراعات الأهلية اللبنانية بعيداً عن الميدان الحقيقي للكفاح، وكذلك فرقاء "الجبهة اللبنانية" فهم باتوا إما يقدمون على النقد الذاتي وإما يتخفّفون من لحظة الاستنجاد بسوريا أو لحظة الاتصال بإسرائيل.

و"الحزب التقدمي الإشتراكي" لم يتوصّل بعد مع "القوات اللبنانية" إلى قراءة موحّدة حول مجريات حرب الجبل، لكن تقييمه لها اختلف تماماً بعد أن علّمت التجربة أن الجبل لا يزدهر إلا بالمصالحة بين طوائفه التاريخية الموجِدة للفكرة اللبنانية. كذلك "حركة أمل" و"حزب الله"، تأسف قيادتهما اليوم على الدم الذي أريق في إقليم التفاح وغيره. الفلسطينيون أيضاً مارسوا النقد الذاتي في السياسة أو في الشعر في ما عنى تجربتهم اللبنانية. وحتى القيادة السورية وجدت نفسها مضطرة أحياناً للحديث عن "أخطاء" ارتكبتها في لبنان في مرحلة من المراحل وإن حاولت إلقاء جريرة هذه الأخطاء على سواها أو الزعم بأنّ هذه الأخطاء حدثت من دون علم الرأس الأوّل.

وحده العماد ميشال عون من بين جميع المشاركين في الحرب الأهلية اللبنانية يرفض مجرّد الحديث عن أخطاء تسبّبت بها سياسته في حربي "التحرير" و"الإلغاء"، وهي عنده مآثر ما بعدها مآثر ولا يزال يقاربها بنفس الهالة التقديسية، وليس أبداً انطلاقاً من نتائجها، بل إن هذه المآثر المزعومة في حربي التحرير والإلغاء صارت تنسب لنفسها جلاء سورياً محققاً بعد أكثر من خمسة عشر عاماً بدماء الرئيس رفيق الحريري وبإرادة مئات الآلاف من اللبنانيين في عامية 14 آذار 2005.

وحده العماد ميشال عون لم يطوّر خطابه السياسي الذي بقي يحمل علامات التوتّر نفسها أثناء الحرب وفي تصريحات المنفى وفي خطب ما بعد العودة. وإذا كان البعض يوجّه نقداً لعون بحجّة أنه انقلب على سياسته المناوئة للوصاية السورية فربّما كان الأجدى ردّ مشكلة عون الى اعتماده الأسلوب نفسه سواء في مرحلة تواجه فيها مع القوات السورية في لبنان أو في مرحلة قاد فيها فصيلاً مقاوماً للوصاية وتحرّك خلالها لحثّ المجتمع الدولي على ممارسة الضغط في الاتجاه الذي يخدم سيادة لبنان واستقلاله أو في مرحلة صار يبرّر فيها عودة سوريا إلى لبنان لتأديب أخصامه السياسيين.

وبموجب هذا الأسلوب المتوتّر والذي يعلي "الحقد" فوق كل قيمة، فلا تناقض بين هذه المراحل المختلفة وإنما الاستمرارية يجسّدها الشخص وعصبيته المفتخر بها على أنها "صنو الفحولة".

بل إن العماد عون قد ينتفض حتى على مجرّد القول بأنه من المشاركين في الحرب الأهلية. عنده "حرب التحرير" و"حرب الإلغاء" ليستا من فصول الحرب الأهلية. فالأولى حرب تحرير وطني ولا تقيّم عنده من خلال نتائجها وإنما من خلال أحقيتها، علماً أن القائم بها انتهى أخيراً إلى نظرية "مسؤولية لبنان في السهر على أمن سوريا". أما الثانية فهي حرب ما تزال مستمرّة بالعنف الكلامي نفسه في إعلام التيار العوني الرسمي، وتسخّر لها كل الأحقاد وتنبش لها كل القبور، لا بل وصل الأمر بالإعلام العوني حدّ اعتبار المحاكم الصورية المنظّمة لقائد "القوات اللبنانية" وللقواتيين خلال حقبة الوصاية السورية بمثابة امتداد نضالي لتراث "حرب الإلغاء الشعبية".

مع ذلك فإن المطالب أكثر من سواه بالاعتذار عمّا تسبّب به في آخر سني الحرب اللبنانية هو العماد ميشال عون. فالتراشق المدفعي بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية لم يصل يوماً إلى المستوى الذي بلغه في مرحلة "حرب التحرير" وبدلاً من أن يلتقط عون المشاعر السلبية المزدهرة يومها ضد القوات السورية في المناطق الإسلامية تسبّبت حربه تلك في عدم تمكين هذه المشاعر من أن يكون لها تعبير سياسي مواز. 14 آذار 1989 مناقض تماماً لـ14 آذار 2005: الأول ينشد "التحرير" من خلال "الفرز" والثاني يصنع "التحرير" من خلال "التلاقي".

أما التقاتل المسيحي ـ المسيحي فلم يصل منذ القرن الرابع عشر وإلى زماننا إلى المستوى الذي بلغه في "حرب الإلغاء" حيث قسّمت كل عائلة مسيحية إلى شطرين عوني وقواتي وتسبّب هذا الانقسام في إفقاد المنطقة المسيحية المناعة الحيوية بوجه مساعي الهيمنة السورية في التمدّد ما أدّى لاحقاً إلى 13 تشرين. هنا أيضاً تقيّم الوقائع بنتائجها، والنتيجة كانت دخول السوريين إلى منطقة لم يحلموا بالدخول اليها سابقاً: المتنين.

والعماد عون مدين قبل سواه بالاعتذار لأبطال الجيش وشهدائه في معركة 13 تشرين. حاربوا ببسالة وشجاعة في ما هو يلتجئ إلى السفارات، وكان قبل ساعات قليلة يعدهم بالنصر.

لكن الآن يختزل كل هذا التاريخ إلى واقعة عرضية يتيمة، وهي محاولة اغتياله التي استبقت الهجوم السوري على المتنين بساعات. ولم يعرف بعد إن كانت تلك المحاولة سيئة التجهيز بهدف تعطيل الهجوم أو تسهيله، علماً أن تعاقب الأحداث أظهر بما لا يرقى للشك أن عون كان المسهّل العملي الأكبر للهجوم السوري، والموصي العلني بتسليم قطاعات الجيش إلى قيادة إميل لحّود.

ولا يجد العماد عون عند تطرّقه إلى محاولة اغتياله هذه إلا التعريض بقامة وطنية كجورج حاوي الذي قتل غدراً بعد أن كان له ليس فقط إسهام مميز في دعم "انتفاضة الاستقلال" وإنما قبل ذلك إسهام رئيسي في إنشاء المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي انطلاقاً من بيروت المحتلة عام 82، وفي المواءمة بين استرجاع السيادة وتحقيق المصالحة الوطنية ابتداء من مهرجان انطلياس في بداية التسعينات (خلافاً للطرح العوني على امتداد التسعينات والذي غالى في طرح المسألة السيادية على حساب المصالحة بين اللبنانيين ثم عاد لاحقاً مع تفاهم مار مخايل للمغالاة في نوع ملتبس من "الوحدة الوطنية" المسلّحة على حساب المسألة السيادية ككل)، كما كان حاوي من أبرز الداعين إلى عودة العماد عون من منفاه، وكان سبّاقاً في هذا المجال، ووصل بين قضيتي عودة عون وإطلاق سراح الدكتور جعجع (في حين عمل آخرون للفصل بين القضيتين لعدم معالجة أي منهما).

واللافت أن العماد عون تعرّض لحاوي مرّتين منذ ثلاث سنوات. المرة الأولى تلت مقتله والمرة الثانية في مؤتمره الصحافي الأخير. في ما بين المحطتين حاول عون وإعلامه مصادرة قضية حاوي وفصلها عن قضايا شهداء 14 آذار الآخرين أملاً في تفكيك السلسلة. في هذا الجانب يمكن احتساب الاضطرار "الظرفي" للعودة مجدّداً إلى الموقع الحاقد على أنه من تداعيات فشل عملية مصادرة قضية جورج حاوي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل