باريس: "امتحان السلوك" لدمشق يتمّ على 4 ملفات متلازمة
ولبنان خط أحمر..والعودة السورية "من سابع المستحيلات"
"خارطة الطريق" الفرنسية: ثوابت محسومة و"منهجية" قيد الاختبار
مِن باريس، وقبل أيام قليلة، أعلن وفد 14 آذار أن ثمة "خارطة طريق" فرنسية للعلاقة مع دمشق، وأن في هذه "الخارطة" أسباباً كثيرة ليكون لبنان مطمئناً. فما هي "خارطة الطريق" الفرنسية تلك؟.
"خارطة الطريق": 4 ملفات ـ مسارات
الحقيقة أن ما تقصده فرنسا بـ"خارطة الطريق" يتعلق بأربعة "ملفات" هي في الواقع أربعة "مسارات" يخضع النظام السوري على أساسها لـ"إمتحان سلوك" ولـ"متابعة" لصيقة.
والملفات ـ المسارات الأربعة هي: ملف إيران وبرنامجها النووي، أي "إبتعاد" سوريا عن إيران وإمتناعها تالياً عن تشكيل "خرق إيراني" في الشرق الأوسط، وملف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية، أي إنتقال النظام السوري إلى التفاوض المباشر مع اسرائيل من ناحية وتوفير مقتضيات نجاح التفاوض المباشر من ناحية ثانية، وملف "حقوق الانسان في سوريا"، أي قيام النظام السوري بالخطوات اللازمة لحماية الحقوق والحريات في بلده، وملف لبنان أي إمتناع هذا النظام عن كل ما من شأنه تعويق المسيرة الاستقلالية والعملية السياسية السلمية الديموقراطية في البلد.
سيادة لبنان والمحكمة خطان أحمران
وتؤكد باريس أن ثمة خطين أحمرين في ما يتصل بلبنان. إستقلال لبنان وسيادته وأمنه وإستقراره خط أحمر أول. والمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري خط أحمر ثانٍ، أي أنها غير قابلة للمساومة في أي وقتٍ وفي أي ظرف من الظروف.
وعليه، فإن فرنسا تعتبر أن عودة نظام الأسد إلى لبنان أو دخوله مجدداً إليه وإلى أي منطقة منه، من "سابع المستحيلات"، وتؤكد أن النظام في سوريا يعرف جيداً هذه الإستحالة.
ومِن جهة أخرى، تؤكد باريس أيضاً أن الملفات ـ المسارات الأربعة المشار اليها هي ملفات ـ مسارات متزامنة ومتلازمة ومتداخلة في آن، أي كل متكامل. وبمعنى آخر، إن المطلوب أن "يُعطي" النظام السوري على المسارات الأربعة معاً وبـ"التوازي"، تماماً لأن هذه المسارات أو الملفات الأربعة هي شروط لعضوية سوريا من جديد في الأسرة الدولية، أي بمثابة شروط لـ"إكتساب الأهلية" للعودة مجدداً إلى المجتمع الدولي. وبكلام آخر، سيكون مستغرباً جداً بالنسبة إلى فرنسا أن يمضي النظام السوري في المفاوضات مع اسرائيل، أي أن يكون جدياً فيها اذا واصل علاقته بطهران على الأسس التي تقوم عليها راهناً. وسيكون مستغرباً أيضاً أن يكون جدياً في المفاوضات مع اسرائيل وأن يمتنع عن "ترييح" لبنان لا سيما في ما يتعلق بترسيم الحدود..
و"على ما يبدو"، فإن الملف ـ المسار اللبناني أساسي إلى درجة أنه ـ في إمتحان السلوك ـ يمكن أن يشكّل "علامة لاغية" لـ"الإمتحان" من أصله، اذا أقدم النظام السوري على "الخربطة" فيه.
"الإنفتاح" ما بعد "إتفاق الدوحة"
لا شك في أن باريس ـ أي السياسة الفرنسية ـ إعتبرت منذ "إتفاق الدوحة" أن نظام الأسد "أعطى" في لبنان. فهو "أعطى" إذ "سهّل" إنتخاب رئيس الجمهورية. و"أعطى" اذ "يسّر" قيام "حكومة الوحدة الوطنية" برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة. و"أعطى" إذ أعلن موافقته على قيام علاقات ديبلوماسية على مستوى السفراء مع لبنان. ومن الواضح، في هذا السياق، أن فرنسا إعتبرت ما "أعطاه" نظام الأسد في لبنان "مؤاتياً" لـ"بداية" إنفتاح فرنسي عليه، هدفه ـ أي الإنفتاح ـ وضع هذا النظام أمام شروط إعادة تأهيل نفسه في مجال إستئناف إنتسابه إلى الاسرة الدولية.
ولا يمكن القول، تأسيساً على مقدمات العلاقة الفرنسية ـ السورية المستأنفة وعلى سياقها الراهن وعلى "نتائجها" حتى الآن، إن باريس تملك ضمانة أو ضمانات بأن ثمة تحولاً سورياً "حاسماً" ـ إستراتيجياً ـ لا رجعة فيه. ولا يمكن القول ـ تالياً ـ إن فرنساً واثقة من نظام الأسد إلى حد إستبعاد إقدامه على مناورات سياسية أو تقطيع الوقت أو التخريب في لبنان "بلد العلامة اللاغية".
باريس لا تضمن نظام الأسد
بيد أن فرنسا و"على ما يبدو" أيضاً، إذ ترى أن الإنفتاح على النظام السوري ضمن الأطر المشار اليها آنفاً أدى إلى فكّ العزلة عنه، تعتبر أن لا مصلحة له في إستئناف "مواجهة" المجتمع الدولي له.
لا مصلحة لنظام الأسد في أن يستأنف المجتمع الدولي مواجهته له، أمرٌ يقع الآن في سياق تقاطعات إقليمية ـ دولية. وفي هذه التقاطعات الإقليمية ـ الدولية أن المنطقة تعيش حالياً أجواء حرب محتملة في "أي وقت". وفيها أن الشرط الوحيد لعدم حصول هذه الحرب، هو تراجع إيران عن "معاندة" المجتمع الدولي في الموضوع النووي في إطار "تسوية" وضع الإتحاد الأوروبي مضامينها قبل مدة. وبهذا المعنى، عندما يقال أن لا مصلحة للنظام السوري في أن يضع نفسه في مواجهة مع المجتمع الدولي من جديد، فإن المقصود هو أن لا مصلحة له في أن يعرّض نفسه بأن يكون واحداً من أهداف الحرب على "التقاطع" الإيراني.
..ولا ترى مصلحة له في "التراجع"
إنطلاقاً من كل ما سبق شرحاً لمعنى "خارطة الطريق" الفرنسية ولسياقات العلاقة الفرنسية ـ السورية وللدور الفرنسي في الضغط على النظام السوري ـ في إطار العلاقة معه ـ لإستعادة سوريا إلى "الشرعية الدولية"، يمكن القول إن ثمة اطمئناناً لبنانياً ـ و14 آذارياً بالتحديد ـ إلى "الثوابت" في السياسة الفرنسية، تجاه لبنان خصوصاً.
بالتأكيد، ليس الاطمئنان إلى السياسة الفرنسية تزكية لها، أو قبولاً بأن لا بديل منها بالمطلق. ذلك أنه، بما تحقق منها أو بما أدت إليه حتى الآن، لا يمكن الجزم بأنها ناجحة أي بأنها لن تفشل بالضرورة. و"على الأرجح" إن باريس تعلم أن في سياستها المعتمدة قدراً لا يُستهان به من "المراهنة". فما "أعطاه" نظام الأسد في لبنان، بالرغم من إعتبار باريس انه شكّل أساساً لـ"الإنفتاح" ولو المشروط عليه، لا يزال هشاً، هو لا يخفي نيته "شراء" ما "أعطاه" ـ والأصح ما "باعه" ـ ولا يتوانى عن تهديد سيادة لبنان والعملية السياسية فيه.
إطمئنان 14 آذاريّ إلى "الثوابت"
إذاً، لا خوف 14 آذاريّاً من "الثوابت" الفرنسية. غير أنه إذا كان من مجال لـ"خشية" ما، فهو من إنحكام السياسة الفرنسية، خلال فترة، إلى نوع من "الدفاع عن نفسها". والدفاع عن النفس "يمكنه" أن يترجم نفسه في وقت من الأوقات، أعذاراً تُعطى للنظام السوري حتى في لحظة هجمة منه على لبنان.
وعن هذا مثالٌ. ففي موازاة إعلان وفد 14 آذار في باريس عن "خارطة طريق" فرنسية فيها ما يطمئن لبنان، كان مسؤول في الخارجية الفرنسية يعلن من جهته أن بلاده "تتفهم" دواعي القلق السوري من الوضع في شمال لبنان.
صحيحٌ أن فرنسا تؤكد أن الدخول المتجدد إلى لبنان أو أي منطقة منه "من سابع المستحيلات"، لكن موقفاً من هذا القبيل قد يعتبره النظام السوري عذراً.
ماذا عن الأعذار؟
وإذا كان مفهوماً تماماً أن تدعم فرنسا قيام تنسيق أمني لبناني ـ سوري بهدف "مكافحة الإرهاب"، وهو أمر لا يرفضه لبنان على أي حال إذا كان له أن يتم في إطار سيادي وبدون شروط سورية على لبنان، فإن المسألة التي لا بد من التوقف عندها ملياً هي أن النظام السوري هو المسؤول بدايةً عن الإرهاب الذي ضرب لبنان، وانه يحدد الآن عناوين سياسية لبنانية وعربية يستهدفها في سياق تدخله في الشؤون اللبنانية، ما يجعل قيام تنسيق أمني حقيقي مستحيلاً بل ما يجعله غطاء لـ"النوايا" والمطامع السورية في لبنان.
في جميع الأحوال، فإن فرنسا البلد الديموقراطي الذي يستقبل الوفود الزائرة حتى لو لم تكن "دعوات" رسمية موجهة إليها، لا يمكن حتى بتغيّر "المنهجية" أو "الأسلوب" من عهد إلى آخر، إلا أن تبقى وفية لـ"ثوابتها"، وهذا ما يجعل 14 آذار واثقة من "لبنانية" باريس.. ومن الثبات الاستراتيجي في سياستها الإقليمية. وذلك ما يمثّل الخلاصة الرئيسية التي عاد بها وفد 14 آذار.