متفجرة دمشق: "صورة تشبيهية" للمشهد .. والفاعل .. والمجيّر !
لم تقل سوريا، بعد متفجرة دمشق الأسبوع الماضي، الا ما كانت تقوله قبل انسحاب قواتها المسلحة من لبنان في نيسان العام 2005 ثم دأبت على تكراره بعد ذلك: لبنان يتحول الى قاعدة لتنظيم "القاعدة" وغيره من التنظيمات الارهابية. الجديد هذه المرة ربطها المباشر بين الأخطار التي يشكلها ذلك على الأمن في لبنان وسوريا معا وفي وقت واحد، وتحريك قطعات من جيشها الى الحدود مع شمال لبنان بحجة مواجهة هذه الأخطار … ثم ربطها، اعلاميا على الأقل، بين متفجرة دمشق هذه والمتفجرة التي استهدفت طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، بعد ذلك بيومين فقط.
ولأن "التعامل" السوري الرسمي مع متفجرة دمشق تميز بواقع أنه للمرة الأولى تتم "تبرئة" اسرائيل والصهيونية العالمية و"مشروع الشرق الأوسط الكبير" من الجريمة، أو أقله عدم اتهامها بالوقوف وراءها، فقد أثار الحدث عددا من الأسئلة وعلامات الاستفهام ليس حول الوقائع والملابسات وهويات الفاعلين فقط وانما كذلك حول الأهداف … أهداف الجريمة، كما أهداف "التبرئة" وأهداف اتهام المنظمات التكفيرية والارهابية في الوقت نفسه.
ولأن الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، من بين دول غربية أخرى، كانت من أوائل البلدان التي سارعت الى التنديد بالمتفجرة في دمشق وابداء التعاطف مع سوريا، فقد ساعد ذلك على اعطاء مشروعية للأسئلة وعلامات الاستفهام بدلا من أن يسهم في تقديم اجابات عليها أو حتى في أن يلقي بعض الأضواء الكاشفة.
من بين الأسئلة التي أثيرت، وستبقى من دون اجابات ربما لفترة طويلة، لا بد من التوقف عند النقاط الآتية:
أولا: هل يؤدي اقفال الحدود (حدود سوريا)، جزئيا أو كليا، في اتجاه واحد نحو العراق ولبنان ـ كما كان الحال في الفترة الماضية ـ الى فتحها في الاتجاه الآخر، أم أن الأمر كله لا يعدو كونه "لا توازن" بين الصادر والوارد، أو بكلمة أدق بين الطاقة على التصدير والطاقة على منع الاستيراد ؟!. وفي السياق نفسه، هل يكون "اللا توازن" هذا بقرار أم نتيجة اختلال في مركز ـ أو ربما مراكز ـ صناعة القرار؟!.
ثانيا: هل باتت سوريا، بعد اغتيال الشهيد عماد مغنية والعميد محمد سليمان بالطريقة التي تم فيها الاغتيال، مكشوفة أمنيا الى الحد الذي يمكن فيه لسيارة مفخخة بمئتي كيلوغرام من المواد المتفجرة أن تعبر الحدود ـ أية حدود ـ أو حتى أن تدخل فارغة ثم يتم تفخيخها في الأراضي السورية، أم أن هناك خللا ما في أنظمة المراقبة على الحدود وفي الداخل السوري أدى، في ما أدى، الى وقوع ثلاث عمليات اختراق، كبيرة سياسيا ونوعية أمنيا، في أقل من سبعة شهور ؟!.
ثالثا: هل للمفارقة الكامنة في الاسراع الى اتهام اسرائيل بالوقوف وراء عمليتي الاغتيال من جهة، وتعمد تحييدها بصورة كاملة عن التفجير الأخير من جهة ثانية، علاقة بما شهدته دمشق من تطورات سياسية على الصعيد الخارجي في الفترة بين الحدثين الأولين والحدث الثالث ؟!، واستطرادا، هل يمكن على خلفية ذلك "فهم" معنى التعاطف الأميركي والفرنسي ـ والغربي عموما ـ بعد المتفجرة الأخيرة، ومبادرة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الى الالتقاء بوزير الخارجية السوري وليد المعلم في نيويورك للتشاور معه حول ذلك ؟!.
رابعا: هل يتناغم ذلك كله مع "هاجس" سوري قديم، بالتفرد عن ايران، للخروج مما يسمى "محور الشر" والانضمام الى قائمة الدول المهددة بالارهاب .. وتاليا قائمة الدول الناشطة في "التحالف الدولي لمحاربة الارهاب".. بما يعنيه ذلك، أو قد يعنيه في المستقبل، على كل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والمالية الخ… ؟!.
خامسا وأخيرا: هل تكون "المسألة" لبنانية فقط، أو ربما لبنانية في المقام الأول، وتكون من صنف "الرسالة الالكترونية" التي توجه الى عناوين عديدة في وقت واحد… وهي موجهة هنا الى العهد الجديد برئاسة الرئيس ميشال سليمان وحكومة الوحدة الوطنية، والى القوات المسلحة من جيش وقوى أمن، والى "حلفاء" سوريا وخصومها معا، والى "المتصالحين" هنا وهناك، وقبل ذلك كله الى الذين يستعدون للانتخابات ـ ترشيحا وتحالفات وتشكيل لوائح وحتى اقتراعا ـ في الربيع المقبل؟.
من نافل القول ان أيا من هذه الأسئلة يبدو عصيا على الجواب في الظرف الراهن، الا أن من شأنها مجتمعة أن ترسم "صورة تشبيهية"، كما يقال في التحقيق الجنائي، سواء للمسرح حيث تدور الأحداث في سوريا ولبنان أو للمقرر والمخطط والفاعل والمحرض والمستفيد، بما يضع المنطقة كلها ـ وليس لبنان وسوريا فقط ـ على عتبة تحولات، أو الاستعداد لتحولات، أساسية وجدية على أكثر من صعيد.
المؤشرات الى ذلك ليست جديدة، فقد سبقتها تلك "النافذة" المواربة التي فتحت أمام النظام السوري من خلال الزيارات المتبادلة بين الرئيسين الفرنسي والسوري نيكولا ساركوزي وبشار الأسد، ثم "القمة الرباعية" بينهما وبين أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، فضلا عن اللقاءات المستمرة بين سوريا واسرائيل، الا أن ما يطفو على سطح "الأحداث" الآن انما يكسو هذه المؤشرات لحما وشحما وعظاما كما يقال.
أكثر من ذلك، فقد لا يكون من دون أساس، خاصة بعد "امتداح" الوزير المعلم لأجواء اللقاء بينه وبين زميلته رايس ومسارعة تل أبيب الى الترحيب بالحوار الأميركي ـ السوري، اعتبار أن ما اعتادت دمشق على ربطه بتغير الادارة الأميركية بعد الانتخابات الرئاسية (نقل عملية التفاوض مع اسرائيل من مرحلة الى مرحلة) قد بدأ، كما يبدو من "التعاطف" و"الامتداح" على الأقل، قبل انتظار حدوث هذا التغير.
لا يقلل من صدقية هذا الاحتمال، بل يعززه حتما، اظهار سوريا في صورة "الضحية" للارهاب وليس أحد رعاته أو صناعه كما كان الحال في الفترة السابقة، تماما كما لا يقلل من صدقيته قيام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بزيارة دمشق قريبا في الوقت الذي يستعد فيه وفدان من "حماس" وحركة "فتح" للتوجه الى القاهرة من أجل ازالة آثار التخريب الذي لحق بساحة العمل الفلسطيني على امتداد عامين ونصف العام من الآن.
مع ذلك، بل ربما بسبب ذلك، تصح بالنسبة الى لبنان الآن، وأكثر من أي وقت آخر، القاعدة التي تقول انه في زمن التحولات يتعين على الدول الصغيرة أن تحفظ رأسها.
فما يحدث حاليا هو محاولة تحويل "النافذة" التي فتحت للنظام السوري في العالم الى "باب" كبير في الحجم وواسع في مساحة الحركة.