"التحرشات" الإعلامية بالتهدئة الأمنية لن تتوقف وهدفها ضرب الاستقرار
لبنان أمام مرحلة انتقالية تحسمها الانتخابات ومخاوف من إبقاء الشمال "نقطة ساخنة"
ينظر الأطراف اللبنانيون، خصوصاً المعارضين، الى الانتخابات النيابية في الربيع المقبل على انها محطة لإعادة إنتاج السلطة في لبنان، ما يعني ان الجميع مضطرون للتعايش مع المرحلة الانتقالية الفاصلة عن الاستحقاق الانتخابي، وبالتالي التكيف مع التطورات الدولية والإقليمية الى حين تظهير اسم الرئيس الأميركي الجديد في الانتخابات الرئاسية في الشهر المقبل، والتي تسبق استئناف الحوار الوطني اللبناني الذي يرعاه رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
وبطبيعة الحال، فإن المرحلة الانتقالية على المستويين الإقليمي والدولي، كما تقول مصادر ديبلوماسية غربية مواكبة لها، لا تقتصر على الانتخابات الرئاسية الأميركية وانما تشمل المفاوضات غير المباشرة بين سورية واسرائيل برعاية تركية اضافة الى ما يدور على جبهة المفاوضات الخاصة بالملف النووي الإيراني.
وتؤكد المصادر نفسها أن «حزب الله» هو أول المعنيين بنتائج المفاوضات السورية – الإسرائيلية على رغم ان قيادته ما زالت تمتنع عن تسليط الضوء عليها. وتتجاهل التطرق اليها مع أن ذلك لا يخفي القلق الكامن لديها حيالها، علماً أن مصادر في الحزب ترى ان الموقف النهائي منها يتوقف على النتائج وأن لا مصلحة للحزب في الدخول في التفاصيل حالياً.
كما ان الحزب – بحسب المصادر – بات محكوماً بضرورة التقيد بمعادلة توازن الرعب القائمة بينه وبين اسرائيل في رده على حملات التهويل الإسرائيلية وتسريب المعلومات عن ان تل أبيب تعد العدة للثأر من الحزب على الهزيمة التي منيت بها في حرب تموز (يوليو) 2006.
ويأتي التحذير الذي أطلقه أخيراً مسؤول «حزب الله» في منطقة الجنوب الشيخ نبيل قاووق من ان الحزب يستعد حالياً لخوض معركة تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الإسرائيلي في سياق تمرير رسالة تحذيرية الى المجتمع الدولي مفادها ان الحزب لن يسمح لإسرائيل بتغيير قواعد اللعبة التي تسيطر على الوضع في الجنوب من جانب واحد وانه مستعد للدفاع عن النفس ضد أي عدوان اسرائيلي.
لكن إقرار الجميع بأن لبنان يمر حالياً بمرحلة انتقالية داخلية معطوفة على مرحلة انتقالية خارجية حبلى بالتطورات والمفاجآت في ظل عدم اقفال الباب في وجه الوصول الى تسويات دولية في شأن الأزمات في المنطقة بات يطرح سؤالاً يتعلق بكيفية التوفيق بين المرحلة الانتقالية في الداخل وبين الحفاظ على الاستقرار العام وعدم تهديده بالعودة الى الحروب المتنقلة أو بالفتن المذهبية والطائفية العابرة من منطقة الى أخرى كما كان يحصل في السابق.
وتؤكد المصادر الديبلوماسية أن لبنان يراقب عن كثب كل ما يدور من حوله في المنطقة وفي العالم، والمجتمع الدولي لن يتخلى عنه ولا يزال يضعه تحت المراقبة وهذا ما يفسر الاهتمام العالمي بالحشود العسكرية التي دفعت بها أخيراً دمشق الى المنطقة المحاذية لشمال لبنان في مقابل منطقة عكار.
وتضيف المصادر أن بعض القوى المعارضة من الوزن السياسي الخفيف حاولت توظيف هذه الحشود العسكرية باتجاه التهويل على الأكثرية ومحازبيها بأن سورية عائدة الى لبنان أمنياً وعسكرياً وأن دخول قواتها هذه المرة سيتم من الحدود الشمالية للبنان بذريعة ان المجتمع الدولي سيتغاضى عنها بضرب المجموعات التكفيرية المتنامية في الشمال باعتبارها أصبحت تشكل ضرراً على لبنان وسورية ودول الجوار وأوروبا.
حملات التهويل
إلا أن حملات التهويل هذه لم تدم طويلاً وسرعان ما أخذت تتلاشى لعدم وجود ضوء أخضر عربي – دولي لسورية يشجعها على عبور الحدود اللبنانية الى الداخل، اضافة الى ان القيادة السورية ليست في هذا الوارد لاعتقادها بأن عودتها العسكرية الى لبنان من دون تفويض ستؤثر سلباً في علاقاتها بالخارج وتطيح الجهود السورية الآيلة الى إعادة تصحيح علاقاتها بالمجتمع الدولي بعدما قطعت شوطاً على هذا الصعيد.
ومع ان القوى الرئيسة في المعارضة وتحديداً «أمل» و «حزب الله» لم تنخرط في حملات التهويل فيما يواصل رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» ميشال عون حملاته على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، بسبب أو من دونه، لاعتقاده بأن ذلك يعطيه ورقة رابحة لتعزيز وضعه الانتخابي، فإن المصادر نفسها تعتبر ان دمشق حشدت قواتها بغية جس نبض الدول العربية والأجنبية ومعرفة رد فعلها الذي جاء مخالفاً لما كانت تروج له بعض القوى في المعارضة.
وإذ اعتبرت هذه المصادر ان الحشود العسكرية السورية شكلت مادة خصبة لبعض القوى في المعارضة للتحرش إعلامياً بالاستقرار الأمني في ظل الهدوء المسيطر على مناطق التماس في بيروت والجبل والبقاع والشمال، لفتت الى ان التحرش الإعلامي بالتهدئة الأمنية يتقاطع مع تحرش من نوع آخر، من خلال ما أشيع عن أن الجيش اللبناني يعد العدة للدخول الى مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان ما دفع مديرية التوجيه فيه الى نفي الخبر جملة وتفصيلاً.
كما لفتت المصادر الى استمرار التحرش الإعلامي لضرب الاستقرار من خلال التعامل مع مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا على أنه سيبقى نقطة ساخنة لتوريد الإرهاب الى أكثر من منطقة لبنانية.
وأعربت عن مخاوفها من الإبقاء على منطقة الشمال نقطة ساخنة لتوريد التوتر الى مناطق الجوار، وقالت ان هناك من يراهن على استخدامها في الوقت المناسب لإرباك الجيش اللبناني وتقديمه الى العالم على أنه عاجز عن حفظ الأمن خصوصاً أنه استقدم الى هذه المنطقة ثلاثة ألوية مدعومة بفوج من التدخل كقوة احتياط يمكن الاستعانة بها عند الضرورة.
ورأت ان وضع لبنان تحت رحمة عدم الاستقرار يمكن أن يطول ولن يبقى محصوراً بالشمال وانما سيمتد في الوقت «المناسب» الى مناطق أخرى من دون أن يعني ذلك حتمية تجدد التوتر الأمني بمقدار ما ان المطلوب منع الجهود الهادفة الى تبديد التوتر النفسي الذي أسهمت فيه المصالحات المتنقلة التي ما زالت تنتظر تحقيق المصالحة بين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع وزعيم تيار «المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية.
لذلك فإن النتائج المرجوة من المصالحات المتعددة ستبقى في حدود اعادة تنظيم الاختلاف السياسي بين القوى الأساسية ما يحول دون اللجوء الى استخدام القوة لحسمه، كما ان استئناف الحوار برعاية سليمان لن يتجاوز الرغبة في تأمين حد أدنى من التعايش بين الأضداد باعتبار ان اتفاق الدوحة الذي هو جزء لا يتجزأ من اتفاق الطائف لن يطلق مشروع اعادة بناء الدولة، على الأقل في المدى المنظور، بسبب رهان معظم الأطراف على ان نتائج الانتخابات النيابية في الربيع المقبل ستكون مقررة لجهة تمكين هذا الفريق أو ذاك من تحسين شروطه في المعادلة الداخلية وبالتالي لن يتخلى عن كل ما لديه من أوراق من دون أي مقابل.
وعليه فإن الجهود الحالية منصبة على حماية المرحلة الانتقالية من أية انتكاسة أمنية غير محسوبة يمكن أن تعيد الوضع الى الوراء أو تقذف بالانتخابات الى التأجيل وهذا ما يفسر حرص الأطراف على تمديد هدنة التهدئة وعدم التفريط بالاستقرار.
