"كان الأجدى بالمسيحيين القيام بدور محوري في جمع السنة والشيعة"
نعمان: القيادة المسيحية تحتاج إلى أصيل الرجال
يستريح الاباتي بولس نعمان في دير سيدة المعونات في جبيل من عناء الحادث الذي تعرض له يوم تطويب الاب يعقوب الكبوشي، ويلتزم نصيحة الاطباء بعدم التجول كثيراً. لكن ذلك لا يمنع الاباتي الاكثر شهرة بنشاطه السياسي في تاريخ الرهبانية من القيام بمهماته. فهو مُكب على الانتهاء من مذكراته التي ستشكل حدثاً يضع الكثير من النقاط على حروف الازمة اللبنانية المستمرة منذ سنين طويلة.
يتجنب الاباتي الحديث عن الحاضر ويفضل التاريخ "لأن المسيحيين يعانون حالياً أزمة رجال وزعامات حقيقية"، وهو لا يخفي تحسره على زمن الرجال بدءاً من أميل إده الى بشارة الخوري وكميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده. ويستذكر اللقاء بين الرئيس الراحل كميل شمعون وقائد "القوات اللبنانية" آنذاك بشير الجميل عقب الاشتباكات بين الكتائب والاحرار وكيف تجاوزها الرئيس شمعون ضناً بوحدة الصف من اجل حفظ القضية، التي يرى الاباتي انها "قضية الدفاع عن هذا اللبنان، الابن الوحيد والمدلل للمسيحية، والذي يكاد ان ينساه الزعماء الحاليون في غمرة نزاعاتهم الدامية وشهوتهم الجامحة الى السلطة". ولكن رغم كل ما يجري، فالاباتي مرتاح الى المستقبل والى اهمية التفاف الدروز والسنة وقسم كبير من المسيحيين حول الدفاع عن لبنان ويأمل ان تقتنع غالبية الشيعة يوماً بأهمية النموذج اللبناني التعددي الديموقراطي في العالم العربي.
ولأنه في جبيل، يستهل نعمان بالحديث عن مسألة كنيسة لاسا، معتبراً ان "اديار الموارنة في سيدة ايليج قرب ميفوق ودير مار شليطا مقبس في غوسطا اقدم بكثير من ادعاءات تملك آل حمادة تلك الانحاء" ويرد على من يدعي ملك كنيسة لاسا "بأننا كنا هنا منذ ايام البشارة المسيحية ومع الراهب ابرهيم القورشي الذي بشر الوثنيين في افقا، وبعدهم خلال حكم الرومان قبل الدعوة الاسلامية، ولكن رغم ذلك فإن احداً لا يمكنه انكار وجود الآخر لأننا لجأنا جميعاً الى الجبال هرباً من الاضطهاد". لكن ما يأسف له الاباتي نعمان ليس الخلاف على كنيسة لاسا بل الوضع المسيحي ويعتبر "انها المرة الاولى في التاريخ التي يتعرض لبنان لخطر خارجي ولا يتضامن المسيحيون عفوياً لتشكيل كتلة واحدة متراصة للدفاع عن بلدهم واستقلاله وثقافته". وفي رأيه ان لبنان هو الابن الوحيد المدلل للمسيحية وهو نتاج التضامن المسيحي، والسؤال الكبير هو: "لماذا نسي الزعماء المسيحيون لبنان وما عادوا يتذكرون الا طموحاتهم واحقادهم وخلافاتهم وصغائرهم؟".
أزمة رجال!
يحدد نعمان الخطر الخارجي بأنه شرق اوسطي بعدما كان اسرائيلياً، "وهو بالفعل كذلك، ولكن من يتهددون لبنان نسوا امر اسرائيل واصبحوا يتفاوضون معها ولا هم لهم الا لبنان". ويعود بالذاكرة الى مرحلة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي يعتبر ان طروحاته هددت اسس الكيان، فما كان من ريمون اده وبيار الجميل وكميل شمعون الا المبادرة الى طي خلافاتهم والاتحاد لمواجهة المد الناصري من دون ان يطَلب منهم ذلك، فكان "الحلف الثلاثي". ولاحقاً عندما هددت منظمة التحرير الفلسطينية الكيان اللبناني سارع المسيحيون الى التضامن وشكلوا "الجبهة اللبنانية" ولم يطلبوا اذناً من البطريرك ولا من الرابطة المارونية، وقاتلوا معاً من الشمال الى الجنوب دفاعاً عن لبنان الذي يقبل كل انسان ويعامله بحرية. لكن ذلك في رأيه كان قديماً، و"المسيحيون يعانون اليوم أزمة رجال وزعامات ومعدن خفيف، لأن القيادة تحتاج الى معدن حقيقي وأصيل من الرجال لا تسيطر عليهم الطموحات الشخصية والاحقاد والخلافات الصغيرة" ولا ينسى "الاهداف الكبيرة التي عمل لها اجدادنا ورجالات الاستقلال".
ينظر نعمان بعيداً من شرفة دير سيدة المعونات ويتنهد قائلاً: "تؤرقني الحال التي وصل اليها المسيحيون، وأفكر لماذا وصلنا الى ما وصلنا اليه؟".
ويحلل ابعاد الازمة معتبراً ان "هناك أزمة على مستوى العلاقات بين السنة والشيعة في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي برمته، فلماذا زج المسيحيون انفسهم في حمأة هذا الصراع وكان الاجدى بهم القيام بدور محوري في جمع السنة والشيعة اللبنانيين، وكان يفترض بالمسيحيين ممارسة دور الجامع المشترك للحفاظ على لبنان التعددي الحضاري والديموقراطي في هذا الشرق الظالم الذي لا يعرف مكاناً للحرية". ويضيف: "تغلبنا على الاقطاعية لكنها عادت وتغلبت علينا، وتغلبنا على الديكتاتوريات والحكم الديني لكنها تعود للسيطرة علينا، وهناك انقلاب كامل في المفاهيم التي ناضل المسيحيون من اجلها خلال قرون طويلة".
العناية الإلهية تدخلت
امام هذه الصورة القاتمة وتخلي الزعماء المسيحيين عن القيام بواجباتهم يرى الاباتي نعمان ان العناية الالهية تدخلت واوجدت للبنان مدافعين جددا عن الحرية والديموقراطية "لم نكن نحلم بان يقفوا الى جانبنا وهم السنة الذين يحملون شعاراتنا. اما الدروز فكانوا دائما مع شعارات الحرية، وهم اليوم يزايدون علينا في دفاعهم المستميت عنها ومن الاكيد ان الهوية الاستقلالية اللبنانية، قد عمت غالبية الطوائف اللبنانية وما يجري من احداث يؤكد صحة ما اقول".
نعمان لا يخشى على لبنان من مشروع ولاية الفقيه وفي رأيه "ان الطائفة الشيعية مخطوفة لمصلحة المشروع الايراني بواسطة المال والسلاح، وان الحل الوحيد هو في اقناع الطائفة الشيعية بأن هذا المشروع انتحاري ومفيد فقط على المدى القصير وهو محدد بالحالة السورية التي اقامت صلة وصل بين ايران ومشروعها في لبنان، في حين ان المشروع الاجدى للشيعة هو مشروع الولاء للدولة اللبنانية والتعاون مع الدروز والسنة والمسيحيين لبناء الدولة الديموقراطية التي تحمي الجميع وتمنع الديكتاتورية والهيمنة".
ويقول نعمان "ان المصالحة حتمية بين المسيحيين"، ويتذكر انه قام مطلع التسعينات بجولة مع عدد من الشخصيات على الزعماء المسيحيين للبحث في مسألة المصالحة، وفي احد اللقاءات مع الوزير السابق سليمان فرنجيه، كان لاحد اعضاء الوفد مطالعة ساوى فيها بين سوريا واسرائيل، فرد عليه فرنجيه بقوة: "ان مرجعيتنا هي الرئيس حافظ الاسد لأنه انقذنا من القتل، في حين ان غيره اوصلنا الى المجازر". ثم هاجم فرنجيه نظرية ان سوريا واسرائيل واحد".. فأخذ نعمان الكلام وشكره على صراحته وقال له: "انت التجأت الى الاسد وانقذك، ونحن شاكرون، ولكن ماذا عن ابناء الجنوب الذين حوصروا بين نار المسلحين الفلسطينيين وطلب المساعدة من اسرائيل او الموت قتلاً وتهجيراً؟ فلماذا نشكر هؤلاء ونشتم اولئك؟ اليس من الاجدى ان نبحث عن قاسم لبناني مشترك ينقذنا من الوضع؟". ويروي ايضاً انه "بعد الاعتداء على البطريرك صفير في بكركي نهاية الثمانينات زرت العماد ميشال عون في بعبدا وتحدثت معه عن رمزية الصرح البطريركي وما يمثله للمسيحيين، ودعوته الى زيارة بكركي والاعتذار، وهذا ما حصل آنذاك فذهبت مع الرئيس شارل حلو الى البطريرك واقنعناه بالمصالحة، وهذا ما كان ايضاً".
اعتذار وديكتاتور
ويخلص نعمان بعد هاتين الروايتين الى "ان المصالحة المسيحية تتم عندما يتجرّد الزعماء المسيحيون من طموحاتهم واحقادهم ويضعوا نصب اعينهم القضية اللبنانية التي تهون امامها كل القضايا الاخرى، والاهم لتحقيق المصالحة ان يتخلى الزعماء المسيحيون عن التشبه بأنصاف الالهة". وعن اعتذار الدكتور سمير جعجع الذي يراه نعمان "جيداً لو لم ينهه بدفتر شروط". يقول: "كان الاولى ان يترك لطاولة الحوار". وعن النائب ميشال عون يقول: "انه يحيرني، فلديه قيم ولكن تطبيقها ليس طبيعياً، واللغة التي يستعملها غريبة عن القادة الموارنة والمسيحيين، فهو يستخدم لغة ديكتاتورية وطموحاته الشخصية تغلب على النظرة القيادية التي يفترض ان تغلب لديه". ويؤكد نعمان انه ليس ضد التفاهم مع "حزب الله"، لكنه لا يدري كيف يقنع العماد عون نفسه بسلاح الحزب بعدما وجهه الى الداخل، و"هل عون يسير مع منطق القوة وينسى قوة الحقيقة ولبنان الذي هو اهم بكثير من سلاح حزب الله؟ على الزعماء ان يكونوا ديموقراطيين قليلاً فذلك افضل لهم وللجميع". ويعود الى التاريخ مرة جديدة متذكراً الرئيس فؤاد شهاب "الذي تعرض للكثير لكنه ثبت على موقفه في الدفاع عن لبنان" ويسأل: "ما هو فضل المسيحيين على لبنان غير انهم زرعوا الديموقراطية والتعددية ومعنى الحرية في محيط ديكتاتوري؟ من الخطأ الكبير ان نتخلى عمن يدافعون عن هذه القيم اليوم من المسلمين والدروز". امام هذه الوقائع و"الاحباطات"، فان نعمان لا يزال مؤمناً بأن الفيديرالية هي الحل، وهو فرح اخيراً بمقالة للامير الوليد بن طلال تحدث فيها عن حياد لبنان والفيديرالية. ويقول نعمان: "احتفظت بالمقالة وارسلتها الى سمير جعجع وميشال عون لما فيها من كلام صريح على تحييد لبنان ضمن المجموعة العربية، والا فان الفيديرالية هي الحل ومسؤولية المسيحيين واللبنانيين هي نقل عدوى الديموقراطية بالمعنى الايجابي".
واخيراً، لا ينسى ان يشير الى "الحاجة الماسة الى تفعيل قرارات المجمع الماروني ومقرراته لجهة تعزيز مبدأ الشورى والديموقراطية في الكنيسة وتأليف لجان ومؤسسات ابحاث ودراسات "لكي يواكب المسيحيون العصر ويتفاعلوا معه".