#adsense

إنها بيروت

حجم الخط

إنها بيروت

أما وقد هدأ التراشق السياسي حول هوية بيروت، فان الكلام الهادئ في شأنها بات افضل وقعا واسلس فهماً.
فاذا كان تعبير "اهل بيروت" يستفز بعض اللبنانيين، فان القول بلاهوية للعاصمة يستفز كل البيروتيين.
والهوية المعنية ليست طائفية ولا مذهبية، وهي لا تصبح كذلك الا حين يرفض الرافضون التسليم بأن لبيروت اهلها الذين يحتضنونها وابناءها الذين تحتضنهم وهم من كل الطوائف.

ولماذا لا يكونون كذلك؟ أليس للنبطية اهل وابناء، ومثلهم لصيدا وصور وزحلة والمختارة ودير القمر و… و… و… ولهذه جميعا هويات اضيق من هوية الوطن تمنحها لأهلها وابنائها، وتأخذ منهم اسلوب حياتها ونمط عيشها؟

الفارق الوحيد والاكبر بين بيروت وكل المدن الاخرى، والقرى والدساكر في الـ10452 كيلومتراً مربعاً، هو ان بيروت قادرة على ان تمنح هويتها لكل من يقصدها ليتفيأ رقيها ويتظلل سماحتها. لذا يرى الناظر الى بيروت، تاريخا وحاضرا، ان الازمنة تتغير والناس تترى، بينما بيروت ازلية، تتجدد من دون ان تتغير. لا يجرها قدمها الى التأخر، ولا تسلخها حداثتها عن الاصالة.

فبيروت استقبلت باستمرار كل وافد من الداخل اللبناني او الداخل العربي، بلا شرط وبلا امتحان. لذا اغتنت بثقافات الجميع، وكونت للجميع دراية في الحياة، احتوت اسسا للحوار والجوار عرفها كل من سكن المدينة واسقط تلقائيا ما حمل من منبته، ووجده نقيض ما اقبل عليه، او اضافه اذا كان مؤاتيا لنمطها في العيش.

من الدراية بهذا النمط نعرف ان الآتي الى بيروت امامه واحد من امرين: اما ان يندمج واسلوبها فيمتلك سرها، او يحاول فرض نظامه ويدعي لتخلفه تقدما، فتصبر عليه وتتحمله وترذله، فيظل نافرا وهجينا يحاول ان يدمر "المدينة" كنمط حياة فيدمر نفسه، كطفل متخلف لا يحسن التعامل مع الحاسوب المتطور فيعتقد ان انتصاره على تخلفه هو بتحطيم الآلة المتطورة، وليس بمحاولة امتلاك سرها.

هذا ما كان خلال الحرب الاهلية، وهذا ما هدد بيروت قبل اشهر: جماعات متنافرة مع اي حضور مدني تضافرت بوعي (في الغزوة الشهيرة). ومن دون ان تدري (في السابق) على تمزيق خصوصية المدينة بزعم الحرص عليها او بادعاء الانتساب اليها.

ما يزيد المرارة ويلهب الغصة لدى البيارتة والبيروتيين بعض من قلق يتولد من ذكرى مساهمات منهم، كان هدفها تأجيج التطور الاجتماعي والتقدم الديموقراطي، اكتشفوا متأخرين انها ترجمت حربا دفعوا ثمنها من الجواني فيهم قبل كل شيء ليصلوا الى يوم يتقاسم فيه السلطة والناس اولئك المتحدرون من اصل ميليشيوي لا يخجلون من الانتساب اليه والى فظاعاته، وإن ادعوا الطهر وانتسبوا الى الالوهية في ما يسعون اليه.

بيروت، عند من يعرف "روح" هذه المدينة، هي اسلوب في الحياة لا يعرفه الا من اكتنه سره. وهو سر نحسه ولا نستطيع وصفه. وكي يحس المعترضون على هوية بيروت بهذا السر لا بد لهم من دراية، منبتها اسس متعارف عليها بين من سكنوا بيروت حتى في اكثر احيائها رثاثة، وفي ادنى طبقاتها الاجتماعية.

بيروت ليست العاصمة فحسب، انها اسلوب في الحياة هو هويتها تمنحها لمن يستحق، لا لمن يستقوي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل