#adsense

وصف الأسد شمال لبنان بأنه “قاعدة للتطرف” فتنة من نوع جديد

حجم الخط

النظام السوري يواصل استغلال الإسلاميين:
وصف الأسد شمال لبنان بأنه "قاعدة للتطرف" فتنة من نوع جديد

استغلال "الأصولية" الإسلامية وتوجيهها لخدمة أهداف سياسية، أمر بات النظام السوري محترفاً به. أثناء وجود القوات والمخابرات السورية في لبنان كان الإسلاميون أحد الأوراق التي يتعامل معها النظام السوري وفق الحاجة، فتارة يغض النظر عن تحركات متطرفة، ليشد بها أذن بعض المتمردين عليه، وتارة يشن حملة شعواء على مجموعات المتطرفين، مغازلةً للغرب، وطلباً لبعض الأدوار الإقليمية، ولتمديد الوصاية على لبنان. تارة يكبّر من خطرهم وحجمهم تمهيداً لقمعهم، وتارة يستعرض قدراته أمام الدول التي تواجه الإرهاب فيعلن أن الأمن ممسوك وأن لا وجود لـ"القاعدة" حيثما توجد سوريا.

استغلال الإسلاميين مصلحة وجودية للنظام السوري

لم يكن من مصلحة النظام السوري ولو مرة واحدة، أن تختفي المجموعات المتطرفة نهائياً، فهو بحاجة إليها لإثارة هواجس بعض دول العالم، وبعض المجموعات الطائفية، وبعض المشاكسين في لبنان. المتطرفون بالنسبة الى نظام دموي كنظام بشار الأسد هم أفضل هدية، فطالما أنهم موجودون في هذا العالم، فإن إمكانية ارتكاب الجرائم وإلصاقها بهم تبقى موجودة. وطالما أن فكرهم المتخلف موجود، فإن بطش هذا النظام بشعبه يبقى مبرراً أمام الغرب. وأكثر من ذلك، إذ إن أهم ما يتسلّح به هذا النظام تجاه أميركا و"إسرائيل" القناعة التي صنعها، ومفادها أن البديل عنه سيكون التطرف، وعلى هذا الأساس، مضافاً إليه سجله الأبيض في الهدوء على الحدود، هرعت المخابرات الإسرائيلية إلى طلب لجم الهجمة الأميركية على نظام بشار الأسد بُعيد اغتيال الرئيس الحريري، وهي لا تزال على موقفها، الذي يحظى بتأييد العديد من أجهزة مخابرات الدول الحليفة لأميركا، إلى أن وصلنا إلى قاعدة أن الضغط المطلوب هو "لتغيير السلوك وليس لتغيير النظام".

بناءً على ذلك، يمكن القول إن اتهامات الولايات المتحدة الأميركية للنظام السوري بأنه يصدّر الإرهاب إلى دول الجوار صحيحة تماماً، كما أن الوقائع التي يوردها إعلام هذا النظام عن جهوده في مكافحة الإرهاب صحيحة أيضاً، لأن هذا النظام يتعامل مع الإسلاميين عموماً، وفق ما تقتضيه المصلحة، وهو يستعملهم وفق حاجاته، وهو في كل الأحوال لن يترك لهم مجالاً ليشكّلوا خطراً عليه.

في العراق وفي لبنان

النظام السوري صدّر آلاف "الجهاديين" إلى العراق، بعد احتلاله من الجيش الأميركي، عندما كان يخشى أن يصل "الموس إلى ذقنه"، فأراد خلق المتاعب لأميركا، وإفهامها أن البديل عن أي نظام تسقطه سيكون حالات مشابهة لأبي مصعب الزرقاوي، وقد نجح إلى حدٍ ما. في هذه الفترة خرج مئات "الجهاديين" السنّة من لبنان، ومن عاد منهم يخبر بأن تحركهم كان بلا تعقيدات على الحدود، وأن بؤر التجنيد والاستيعاب كانت معلومة في سوريا، وكان ضباط المخابرات السوريون يسوّقون أفعالهم لدى هؤلاء "الجهاديين" بأنهم يساعدونهم على محاربة "أعداء الله". عندما قرر النظام السوري الحد من تدفق هؤلاء، انقلب عليهم، سواء في لبنان (أثناء فترة وجوده فيه) أو في سوريا، وصارت مراكز الاستيعاب السابقة سجوناً لاحقة، أما "الدعاة" السوريون الذين أبدوا تعاوناً مع "الجهاديين" بعلم النظام، فقد جرى "التخلص" منهم لاحقاً.

أما في لبنان فإن الصورة أكثر تعقيداً، فقد قبضت المخابرات السورية والأجهزة الأمنية اللبنانية على مجموعات عدة كانت تعمل، بعلم المخابرات السورية، على دعم المقاومة العراقية، وقد كان أشهرها مجموعة مجدل عنجر. كان هذا أحد أوجه الاستغلال السياسي للإسلاميين. تماماً كما كان مخيم الإسلاميين في الضنية معلوماً قبل مدة غير قصيرة من اقتحامه. وجه آخر للاستغلال السياسي تمثّل بتوجيه "رسالة صاروخية" إلى إعلام الحريري (تلفزيون المستقبل)، نُسبت إعلامياً إلى المتطرفين الإسلاميين. الحريري نفسه تحوّل إلى ضحية، وقد اختار المجرم الحقيقي وجهاً مزيفاً هو التطرف الإسلامي، فأخرج فيلم أبو عدس الذي قطع التحقيق الدولي بزيفه.

بعد خروج الجيش السوري من لبنان، ابتكر النظام السوري وجهاً آخر لاستغلال الحالات المتطرفة، فأخرج من سجونه فجأة بعض المعتقلين المتطرفين، ووجههم نحو لبنان، وبفضل دعمه لهم ظهرت حركة "فتح ـ الإسلام"، التي انتهت عسكرياً في 2/9/2007. الوجه الجديد لاستغلال التطرف الإسلامي هو ادعاء النظام السوري أن شمال لبنان بات قاعدة للتطرف وأنه يشكّل خطراً على سوريا.

فتنة من نوع جديد

كلام الرئيس السوري بشار الأسد المقرون بحشود عسكرية من القوات الخاصة على الحدود الشمالية للبنان، يحمل من الخطورة أنه يؤسس لفتنة من نوع جديد، هذا إذا أخذنا بأقوال المطمئنين بأن لا عودة للجيش السوري إلى لبنان.
1­ كلام الرئيس الأسد، معززاً بالتقارير التي يبثها الإعلام السوري عن "انتشار التطرف شمال لبنان"، و"التفهم" الذي يبديه حلفاؤه في لبنان، (لا سيما الجنرال عون، الذي سلّف الأسد مبرراً لتدخله، من خلال التأكيد على وجود التطرف في الشمال وتشكيله خطراً على سوريا)، يهدف إلى أمور عدة؛ أولها وأهمها تسويق كذبة أن الشمال بات قاعدة للإرهاب، ذلك أن من شأن تشكيل قناعة بذلك ـ لدى المسيحيين والشيعة في لبنان ـ أن يخلق فتنة، لاسيما إذا صحت الأنباء عن التحضير لافتعال مشكلات مع المناطق المسيحية في الشمال، لتأكيد اتهامات عون حلفاء سوريا المسيحيين من أن الشمال بات يشكل خطراً عليهم أيضاً.

2­ يُبنى على ذلك، مرحلة لاحقة، سيكون فيها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي مطالبين، محلياً وسورياً ودولياً، بالتدخل لقمع "التطرف"، أي لضرب الإسلاميين، خصوصاً أن الاستهداف يطال الجيش بشكل مباشر وموجع، وفي أكثر من مرة، فتقع عندها الفتنة بين القوى الشرعية وحاضنتها الشعبية، لا سيما إذا علمنا أن مناطق عكار والضنية تمثل حالياً الخزان البشري للجيش، ولسوف يؤدي تمزق العائلات الشمالية (التي وقفت بكاملها إلى جانب الجيش في معركته مع الإرهاب في نهر البارد) إلى وضع سيئ للغاية في منطقة كانت ولا تزال رافعة التحرك ضد الوصاية السورية ومنع عودتها.

3­ في حال لم تتحرك القوى الأمنية على الوجه المطلوب، فبإمكان النظام السوري ـ الذي يحلم بالعودة إلى لبنان، أو بالتعامل مع شماله كما تتعامل تركيا مع شمال العراق ـ أن يتذرع بأية حادثة في لبنان أو سوريا أو أية دولة في المنطقة، تدور شبهة دليل على أن منفذيها خرجوا من الشمال، ليتوغل في الأراضي اللبنانية، على اعتبار أن العالم ـ وبعض اللبنانيين للأسف ـ سيتفهّم مبررات التدخل العسكري السوري مجدداً.

4­ وإذا لم يحصل أي من ذلك، فيكفي تثبيت تهمة الإرهاب على منطقة لبنانية معينة، وحشد الجيش السوري مقابلها، ليصبح التدخل السوري في الشؤون اللبنانية أكبر، وليصبح التنسيق الأمني المطلوب، وجهاً مموهاً لعودة الجهاز الأمني اللبناني ـ السوري المشترك، وعندها يكون النظام السوري قد حقق بعض أهدافه.

5­ حتى لو لم تتحقق أي من هذه الأهداف فإن وجود ما يسمى بالفرقة الرابعة على حدودنا الشمالية، سيخلق جواً ضاغطاً في الشمال، ولا سيما منطقة عكار، وسيقوي حلفاء سوريا على حساب الآخرين، (وهذا ما يمكن ملاحظته راهناً من خلال الحركة النشطة لحلفاء سوريا في الشمال وتوعدهم الخصوم ضمنياً) ما قد ينعكس انتخابياً، لا سيما أن ثمة تداخلا حقيقيا بين جمهور تيار "المستقبل" وبين التيارات الإسلامية السنية كافة، ليس في الشمال وحده، وإنما في كل لبنان.

كيف المواجهة؟

مما لا شك فيه أن لبنان يتعرّض لانتقام سوري، تغذيه الأحلام بعودة الزمن إلى الوراء، وأن أشكال هذا الانتقام قائمة، وهي تتبدّل مع الوقت والظروف، لذا فإن المواجهة تحتاج إلى حنكة استثنائية.

في هذه الظروف، يجب ألا يفتح أحد المجال لاستغلال أي متآمر لحالة التململ الموجودة، اعتباراً من السابع من أيار الماضي، في الشارع السني تجاه الجيش، خصوصا في البقاع والشمال، بل العكس هو المطلوب، ولا سيما على صعيد الإسلاميين المعَرّفين في قاموس بشار الأسد وجماعته في لبنان أنهم إرهابيون، ذلك أن موجبات تفويت مخططات النظام السوري تفترض احتضان الجيش أكثر، وتشكيل مظاهر تضامنية شعبية عارمة، يكون الإسلاميون رافعتها الأساس، لا سيما عندما يُستهدف الجيش (لا سمح الله) ، ويقتل أبناؤه ظلماً (خصوصاً أن معظم الشهداء في التفجيرين السابقين من الشمال أيضاً) إذ من شأن ذلك تبديد الصورة التي يحاول نظام الأسد بيعها للعالم، عن وجود قاعدة إرهاب في الشمال تستهدف الجيشين اللبناني والسوري وقوات اليونيفيل.

مطلوب أيضاً جمع التيارات الإسلامية الكثيرة على برنامج وطني، يكون خيار التسامح والعيش المشترك ونبذ الإرهاب واضحاً فيه، وحسناً فعلت "الجماعة الإسلامية" بإصدارها "الميثاق الإسلامي" في العام 2004، و"الوثيقة الإسلامية حول العنف والتطرف"، في العام 2007، لكن المرحلة الراهنة تفترض المزيد من تظهير الصورة الحقيقية للإسلاميين، ولاسيما السلفيون منهم.

مطلوب أيضاً إزالة أي التباس يمكن أن يعكر علاقة؛ القوى الشرعية بأهلها، أو الإسلاميين بغير الإسلاميين، أو المسلمين بالمسيحيين، والفلسطينيين باللبنانيين، فضلاً عن مواصلة الجهد المحلي والدولي من أجل إعاقة مخططات النظام السوري، فالظرف دقيق والمؤامرة مستمرة…

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل