المصالحة المسيحية مهمّة لكن كرامة بكركي ومقامها اهمّ
مهم جداً ان تنجح المساعي القائمة، وخصوصاً تلك التي تقوم بها الرابطة المارونية، لتبريد الساحة المسيحية واشاعة جو من الهدوء والاستقرار في عدد من المناطق شهدت احداثاً دامية، واودت بحياة شبان ملء العافية والاحلام والطموحات، لاسباب لا تستحق حتى التوقف عندها، واعارتها اي اهتمام.
ومهمّ جداً ان يلتقي القادة المسيحيون المعنيون مباشرة بهذه الاحداث، لا ليتصالحوا ويتصافحوا ويتعانقوا، بل ليتفقوا على التنافس السياسي في شكل حضاري وديموقراطي، وتحت سقف الدولة وقوانينها، وليس تحت سقف العشيرة او القبيلة او العائلة، بحيث نعود في القرن الواحد والعشرين الى شريعة الغاب وتحكّم القوّة العمياء.
ومهّم اكثر واكثر ان يكون لرئيس الجمهورية، ابي المسيحيين واللبنانيين دور الرعاية في تحقيق هذه المصالحة، وكل مصالحة تتم على الارض اللبنانية.
ولكن الاهم من كل هذا، وما يجب ان يؤخذ في حسابات كل مسيحي عموماً، وماروني خصوصاً، ان بكركي، هي قلعة المسيحيين ومرجعيتهم، هي حبّة البركة في حياة المسيحيين الزمنية والروحية، وهي الموقف والصوت والدرع التي حمت الوجود المسيحي في لبنان والشرق منذ اكثر من الف وخمسماية سنة، واي تجاهل لدورها المؤثر في عزّ المصاعب والازمات، واي تطاول على صخرة بكركي وسيدها واحبارها، واي محاولة لتهميشها واهانتها والانتقاص من كرامتها، لن تمرّ عند المسيحيين والموارنة، واذا كان بعض الموارنة، من قادة وافراد، يعتبر انه قادر على التصرّف والكلام من دون رادع او ضابط، وانه يستطيع غشّ كل المسيحيين كل الوقت، هو واهم او مغرور، لان التاريخ سجّل ان كل من نطح صخرة بكركي ليوهنها، سقط في غياهب النسيان، وبقيت بكركي منارة حيّة تهدي شعبها وتحميه وتنير له الطريق.
ان الرابطة المارونية، الخارجة من رحم بكركي، ورئيس الجمهورية الماروني الملتزم بالكنيسة، يعرفان جيداً هذا الواقع التاريخي للصرح البطريركي الذي اعطي مجد لبنان، وكل لفّ والتفاف على دور البطريرك الماروني ومقامه، وكل المناورات ومحاولات قلب الحقائق، او تزويرها، لن تجدي نفعاً في حملهما على اخذ مواقف تنتقص من كرامة البطريرك وهيبته وسلطته الروحية والوطنية، ومرجعيته التاريخية للموارنة، من هذه الزاوية اصبح لزاما على الجميع ان يدركوا ان الحرص على الاستقرار في المناطق ذات الاغلبية المسيحية، يتطلب تفاهماً على تطبيع الامور بين القادة الممسكين بالارض، الا ان هذا الحرص لا معنى له ولا قيمة، ان لم يقترن بحرص اوسع واشمل على جعل بكركي قبلة المسيحيين وقلعة قوتهم وتماسكهم.
* * * *
اما في ما خصّ سير النشاط المبذول لتذليل العقبات امام لقاء رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع ورئيس تيار المردة النائب والوزير السابق سليمان فرنجية، فلا بدّ من تسجيل بعض الملاحظات التي رافقت وترافق هذا النشاط، والتي على ما يبدو ما تزال تعرقل مساعي الرابطة المارونية، ويمكن الاشارة في هذا الصدد الى استمرار العماد ميشال عون، حليف فرنجية، في محاولاته، بالاتفاق مع فرنجية لاستبعاد البطريرك صفير عن اي دور له في هذه المصالحة، اضافة الى المواقف الملتبسة التي يتخذها حول حضوره او عدم حضوره لقاء جعجع – فرنجيه، وكأنه لا يريد لهذه المصالحة ان تتم، علماً ان الوزيرالسابق فرنجية كان بعد مهرجان شهداء القوات اللبنانية واعتذار الدكتور جعجع، قد تحدّى جعجع «ان كان يملك الحرية والشجاعة» بالذهاب الى الحوار والمصالحة دون قيد او شرط، وبعد قبول جعجع التحدّي واعلان استعداده للقاء فرنجية، بدأ تيار المردة بوضع الشروط، وكان لافتاً ومستغرباً في هذا المجال دخول رئيس كتلة حزب الله النيابية الحاج محمد رعد على الخط ونعته الدكتور جعجع بـ«المرتكب» الذي يضع شروطاً، بحيث ظهر المشهد وكأن لقاء جعجع – فرنجية لتبريد الساحة المسيحية في الشمال، يزعج تكتل 8 آذار الذي يريد، على ما يبدو، ان تبقى الحمامة مسيطرة على الساحة المسيحية للافادة منها في المعركة الانتخابية المقبلة.
* * * *
في نهاية الامر، لا يمكن للقادة المسيحيين ان يغمضوا عيونهم عن الاحداث المقلقة التي تدور حولهم، ولا عن الغليان السياسي والامني على الساحة اللبنانية، كما انه لا يمكنهم ان يصمّوا اذانهم عن رغبة المسيحيين في اكثريتهم الساحقة، في قيام سقف حماية وامان مبني على تفاهم القادة، بعدم اللجوء الى السلاح مهما كانت الاسباب وتحت اي ظرف كان، وعن رغبتهم بالتفاف الرعية حول بكركي وسيّدها، وبالتفاف المسيحيين والمسلمين حول رئيس الجمهورية في هذه الظروف المصيرية التي يمر بها لبنان والمنطقة، وبالتخلي، على اقلّه في هذه الفترة الصعبة، عن الطموحات الشخصية، والنكايات المسمومة، والمواقف التي لا تؤدي الا الى مزيد من الفرقة والتفتت والضعف.