مهام زوارنا الاميركيين شبيهة بمذيعات "وصل البرامج"؟!
صحيح ان النظرة الاميركية الى الاوضاع العامة في لبنان لم تختلف عما كانت عليه بعد حصول الانسحاب السوري في نيسان من العام 2005. غير ان تواصل الحركة الديبلوماسية الاميركية باتجاه لبنان تستدعي التساؤل عما اذا كانت واشنطن بصدد لعب ورقة سياسية او عسكرية في المنطقة تفرض عليها ابقاء من يتعاطى معها على بينة من امكان حصول متغيرات!
والملاحظ في هذا السياق، ان الاميركيين يتعاطون مع اللبنانيين على قاعدة وجود فريق حليف وفريق معارض، ان لم نقل جهة عدوة، طالما ان المحادثات واللقاء مقتصرة على قوى 14 آذار، طبعاً باستثناء السلطة الرسمية، فيما القطيعة قائمة ومشددة مع قوى 8 آذار التي لا ترى حرجاً في اعتبار نفسها «مناهضة للإمبريالية الاميركية – الصهيونية حتى العظم» مع علمها ان هذه العداوة لا تعني للأميركيين شيئاً!
وفي محادثات الزوار الاميركيين الى لبنان خلال الايام الثلاثة الماضية، تركيز متواصل على دعم الجيش. كما كان بحث معمق في الحاجات العسكرية الملحة، وهي غير مقتصرة على ناحية واحدة، لا سيما الطوافات التي تتمتع بقدرات قتالية، فضلاً عن بعض الاسلحة المتطورة، حيث ان رقم 65 مليون دولار لا يفي وحده بالغرض، في حال وافق الاميركيون على تلبية احتياجات الجيش، خصوصاً ان من ضمن «الصفقة العسكرية طوافات «كوبرا» واجهزة رصد مكملة لها!
وتقول اوساط مطلعة ان الزوار الاميركيين قد اعربوا تكراراً عن خوفهم من ان تصل الاسلحة التي لحظها الجيش في إطار احتياجاته الى أيد يصعب السيطرة عليها. والمقصود هنا وصولها الى حزب الله، إلا في حال بقيت بعيدة من مناطق سيطرة الحزب، واقتصار نشرها في اماكن لن يحتاجها الجيش.
وعما اذا كان خوف من حركة اصولية في لبنان، بحسب معلومات واشنطن ومخابراتها، تؤكد الاوساط المطلعة ان الاميركيين اذكى من ان يقبضوا الكلام القائل ان لبنان معرض لتحرك اصولي، فيما المعلومات تؤكد انه مهما كانت النظرة الاميركية متجاوبة مع اللبنانيين بالنسبة الى عوامل الاستقرار في البلد، غير ان واشنطن تفهم في الاساس ان حيازة «المقاومة الاسلامية» اسلحة متطورة من النوع الذي يحتاجه الجيش اللبناني، هي ما يمنع حزب الله وقوى 8 آذار من الاعتراض على الزيارات الحكومية لمسؤولين اميركيين في لبنان!
والذين يعرفون طبيعة العلاقة بين الاميركيين وشركائهم في العالم، يجمعون على القول ان الاستعدادات التي تبديها واشنطن لتقديم مساعدات عسكرية الى لبنان تبقى في إطار المندرجات التي يمكن التحكم بها في حال حصول متغيرات سياسية وامنية داخلية في لبنان، اضافة الى ان القوى العسكرية لا تقاس بأسلحتها فقط، بقدر ما تقاس بتماسك قرار قيادتها السياسية!
واذا كان من تأكيد بأن القرار السياسي في لبنان لا يحتاج الى اثبات ما هو ثابت، غير ان مصالح الدول تحتاج الى اكثر من القناعات الشكلية، خصوصاً عندما تتأثر النتائج على الارض بقرارات هشة عانى منها لبنان خلال الاحداث المتعاقبة التي افرزت اكثر من جيش واكثر من ميليشيات قريبة من هذا الجيش بقدر ما هي بعيدة ومناوئة للجيش الاخر والعكس صحيح ايضاً؟!
هذا المشهد يدفع تكراراً الى التساؤل عن ضرورات الكلام الاميركي على دعم لبنان عسكرياً. وهل ينطبق هذا الدعم على النظرة الاميركية الى وجود السلطة السياسية المتكاملة في البلد؟!
متتبعوا التطورات يرون ان من سابق أوانه اعطاء اجوبة واضحة على التساؤلات الآنفة، لعدة اعتبارات ابرزها ان الاميركيين يفتقرون الى سياسة لبنانية – اقليمية واضحة كون النظرة الادارية الى امورهم الخارجية مرشحة لان تتغير جذرياً مع مجيء رئىس جديد الى البيت الابيض، لا سيما ان الرئيس المغادر جورج بوش سيأخذ معه فريق عمله وعلى رأسه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس التي وان لا تزال تعطي لبنان جانباً من وقتها، إلا ان من سيخلفها قد يزيد من اهتمامه بأوضاعنا او قد يصرف النظر عن احوالنا الى حد اعتبار لبنان «فرق عملة»!
لا بد من التذكير في هذا المجال السياسي العسكري ان المحادثات مع الزوار الاميركيين تجري بصورة انتقائية، حيث يصعب اعتبارها عملاً محسوماً طالما ان القرار النهائي بصددها يحتاج الى موافقة من مجلس الوزراء «وما ادراك ماهو مجلس وزرائنا؟!».
ويخطئ من يتصور ان المساعدات العسكرية الاميركية الى لبنان قد حسمت من خلال الجولات الاخيرة من محادثات الايام الثلاثة الاخيرة التي يقول عنها مسؤول سابق انها شبيهة بعمل مذيعات «وصل البرامج»، حيث ينحصر دورهن بالإعلان عما هو مقرر ليس إلا، وهذا التشبيه واقعي ومنطقي «لأن حسابات مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية مرشحة لان تختلف جذرياً في عهد الرئيس الجديد، ولو بنسبة مساوية للمتغيرات التي حصلت في اعقاب انتخاب الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي الذي انطلق بشكل مغاير لما كان عليه سلفه جاك شيراك من دون حاجة الى الخوض في الادلة؟!