يُنسّب حشوده على الحدود إلى الـ1701 منفذاً أجندة إسرائيلية… و"يتبهور" اعلامياً ويخطط أمنياً
النظام السوري عندما يسير على اليمين ويعطي إشارة على اليسار
إذاً، بعد فترة من التكهنات في شأن الحشود العسكرية السورية شمالاً و"سياقها"، "كشف" الرئيس السوري بشار الأسد لرئيس الجمهورية ميشال سليمان خلال الاتصال الهاتفي بينهما الأحد الماضي أن هذه الحشود "تتلاءم" مع القرار الدولي 1701، أي أن الأسد أحال الإحتشاد والإنتشار إلى "مرجعية" القرار 1701.
الـ1701 يعني "حزب الله" أولاً
هذا الأمر لافت فعلاً. ذلك أن النظام السوري "يُنسّب" إجراءته قبالة الحدود مع لبنان إلى قرار دولي لا يتذكّر اللبنانيون أنه دخل يوماً منذ صدوره في "سياسة" النظام. وإلى حدّ كبير، "يشبه" تنسيب الإجراءات الحدودية إلى القرار 1701 تنسيب نظام الأسد إنسحابه من لبنان في العام 2005 إلى القرار 1559 الذي كان موضع رفض سوري بعنوان أن "سوريا غير معنية به" (!) كما كان يقول فاروق الشرع آنذاك.
على أن ما هو "أهمّ" أن القرار 1701 الذي أنهى "حرب تموز" 2006، هو أكثر القرارات الدولية علاقة بـ"حزب الله" وسلاحه.
وإذا كان صحيحاً تماماً أن القرار 1701 في مقدّمته وفي شتّى فقراته "يبني" على إتفاق الطائف وعلى القرارات الدولية المختلفة الخاصة بلبنان تأكيداً من المجتمع الدولي على ترابط الإلتزام بدعم الدولة اللبنانية وسيادتها وسلطتها الحصرية على أراضيها، فإن للـ1701 علاقةً "خاصة" بـ"حزب الله". ذلك أن كافة البنود الواردة فيه ترمي إلى منع تسلّح "حزب الله" وتدفق الأسلحة والعتاد إليه، بحيث يتحقق الهدف الذي وضعه المجتمع الدولي أي ألا يكون سلاح من دون موافقة الحكومة اللبنانية وألا يكون سلاح لا تأذن به الحكومة اللبنانية وخارج سلطتها.
لماذا هذا "الإنتساب"؟
وفي هذا الإطار، ربّ قائل إن تنسيب النظام السوري لحشوده العسكرية إلى القرار 1701، هو من باب إعطاء الحشد والإنتشار مشروعية بإدراجهما ضمن قرار للشرعية الدولية. غير أنّ ما يلفت هو ان نظام الأسد لم يختَر أي قرار دولي آخر لـ"الإنتساب" إليه، بل إختار الـ1701 بالتحديد. وفي ذلك أكثر من إيحاء. ثمة رسالة سياسية يريدها هذا النظام أن تصل إلى أركان المجتمع الدولي والى إسرائيل.
فلو كان إكتفى بالقول إن الحشود إجراء سوري داخلي، أو بالقول إنها في إطار الـ1559 أو في إطار الـ1680 (حول الحدود بين لبنان وسوريا)، لكان ثمة إيحاء بـ"شيء آخر" أو رسالة بـ"معنى آخر". أما القول بـ"التلاؤم" مع الـ1701 وبتنفيذه، فلا يخطىء الهدف: منع تسرّب السلاح إلى "حزب الله".
إن المقدمات الآنفة "تأخذ" النظام السوري من كلامه، ولا تتحدث عن نواياه. أي أنها لا "تخمّن" ولا "تتصرف"، وهي تستند إلى كلام سوري رسمي.
إنتساب إضطراري: التهديدات الإسرائيلية
وعليه، إذا صدق النظام السوري في ما قاله، أي أنه ينفذ القرار 1701، ماذا تكون الإستنتاجات؟
ثمة إستنتاج أول، هو أن الضغوط على هذا النظام قوية جداً إلى حدّ انه ليس فقط "مضطراً" إلى إعلان "إلتزامه" بالقرار 1701، بل مضطر أيضاً إلى التعهّد بتنفيذ ما يعود اليه منه.
والإستنتاج الثاني، هو أن واحداً رئيسياً من الضغوط، أي من أسباب "إضطراره"، يتمثل في التهديدات الإسرائيلية المتزايدة والمتسارعة هذه الأيام، والتي فضلاً عن تركيزها على لبنان أي على نيّة تدمير لبنان كله في حال حرب جديدة، إنما تركز على نية ضرب سوريا أيضاً. وبهذا المعنى، يصبح "الإضطرار" السوري مفهوماً في سياق الخضوع للضغوط والتهديدات الاسرائيلية وفي سياق تنفيذ أجندة مفروضة إسرائيلياً.
تعبيران فرنسي وأميركي مختلفان عن موقف واحد
والإستنتاج الثالث، هو أن المواقف الدولية حيال الحشود شمالاً لم تأتِ فقط لتؤكد أن العودة السورية إلى لبنان ممنوعة ومن "سابع المستحيلات"، بل إنها "توحي" بمعرفة الدول الكبرى المعنيّة مسبقاً بأن الحركة السورية تقع في إطار تعهد نظام الأسد بتنفيذ الـ1701. وواقع الأمر هنا، أن ليس ثمّة فارق كبير بين الموقفين الفرنسي والأميركي على سبيل المثال. فأن تقول باريس ما معناه أنها ليست قلقةً على لبنان من الحركة العسكرية السورية، فذلك يفيد ان فرنسا مطلعة على "الحقيقة". أما أن تعرب واشنطن عن قلقها، فذلك يعني نيّة الولايات المتحدة إبقاء سيف التحذير مسلّطاً فوق سوريا. وهنا، فإن الإختلاف في "التعبير" لا يعكس إختلافاً في "التقدير"..وإلا لكان هناك "إستنكار" أميركي أو "إدانة" أميركية وليس فقط إعرابٌ عن "قلق".
إلى اليمين سِر
أما الاستنتاج الرابع، في حال كان النظام السوري يقول الصدق بشأن تنفيذ القرار 1701، فهو أن نظام الأسد على عادته "يضيء" إشارة سيارته إلى اليسار فيما يسير إلى اليمين. أي أنه يغطي تراجعاته وخضوعه للضغوط بـ"البهورة" وبـ"التمرجل الشكلي". وبهذا المعنى، يكون قد أحاط تعهده بتنفيذ الـ1701 بدخان الحديث عن التطرّف في شمال لبنان موحياً بأنه "يقوّص" في مكان فيما هدفه في مكان آخر. وهذا من دون إستبعاد نواياه العدائيّة تجاه طرابلس والشمال والتي "يستطيع" أن يترجمها أعمالاً أمنيّة لا تحتاج الى حشود على الحدود.
واشنطن ـ دمشق
مع هذا كله، أي من القراءة التي حملتها المقدّمات السالفة، والمؤسسة على قاعدة "أخذ" النظام السوري من كلامه، يمكن قراءة فحوى ما جاء في أخبار صحافية من أن "الولايات المتحدة رأت علامات مشجعة لمراجعة سياسة عزل سوريا". فهذا الخبر، في السياق السياسي العام، لا يمكن إلاّ أن يعني أن واشنطن ستأخذ على محمل الجد أي تراجعات من جانب نظام الأسد لإعادة النظر في سياسة عزل دمشق. غير أن ما ينبغي ملاحظته في ما هو "أبعد" من ذلك كله، هو أن باريس تعلن عدم قلقها على لبنان من الحشود السورية تزامناً مع موقف فرنسي تصعيدي ضد إيران بل "تهديدي" لإيران من ضربة ستتعرض لها، وأن الخبر عن واشنطن يتزامن مع الاستنفار الدولي "على" إيران، وقد يكون أحد أهدافه التلويح لطهران بأن عزلتها تكبر.. بما في ذلك بـ"اجتذاب" سوريا تحت وطأة الضغوط.
تغطية الخضوع بحرب نفسية
ماذا يتوخى النص كله؟
في موازاة الحشود السورية قبالة الحدود اللبنانية، ثمة حملة إعلامية ـ سياسية "منظمة" من قبل النظام السوري وحلفائه وأتباعه، هدفها الإيحاء بأن المعادلات الدولية والإقليمية تتبدّل وبأن السياسات الدولية تتغير ـ جذرياً وإستراتيجياً ـ وبأن النظام السوري يقوى في ظل موازين قوى جديدة.. وبأن لبنان عائد إلى "النفوذ" السوري عاجلاً. وحقيقة الأمر، أن هذه الحملة "تعبوية" لحلفاء نظام الأسد وأتباعه فيما ينفّذ هذا النظام أجندة إسرائيلية ـ بدءاً من قتل عماد مغنية في دمشق ـ و"دفتر الشروط" الدولي، وهي ـ أي الحملة ـ نوع من "الحرب النفسية" على الفريق الاستقلالي اللبناني كي يقرأ خطأ ما يحصل ويرتبك، فيقتنع مثلاً بأن الحياة دارت دورتها ليُعاد تفويض النظام السوري بلبنان بشكل أو بآخر(!).
وبعدُ ثمة استدراكٌ لا بد منه.
إن القراءة المتضمّنة في النص إذ تستند إلى معطياتٍ، القسمُ الأكبر منها مُعلن وليس معلومات، لا تدعو اللبنانيين إلى الاطمئنان لدرجة أن ينام المرء عن "الشوارد". فالقراءة الأنفة لا تستبعد ـ وليس هدفها ان تستبعد ـ محاولات النظام السوري إيذاء استقرار لبنان أو محاولاته "أخذ" ما يعتبره مكاسب في "غفلة" ما. لكنها تهدف إلى وضع "إطار" للتطورات الجارية، أو بالأحرى وضع التطورات في إطارها الفعلي. فـ"التمييز" أو "الفصل" واجبٌ بين سياق الحركة على الحدود من ناحية وبينَ الإستهدافات الأمنيّة في الداخل اللبناني وبأفق الإنتخابات المقبلة من ناحية أخرى. فذاك شيء وهذا شيء آخر.