أزمة من مقلب مفرح !
حين يبطل لبنان ان يكون مصدراً دائماً لأزماته وموئلاً للمواجهات الاقليمية والعربية والدولية على ارضه، فهذا يشكل في ذاته الحلم الضائع والهارب للبنانيين منذ ما يزيد على اربعة عقود.
اما حين يجد لبنان نفسه لوهلة غير محسوبة وفق "ثقافة الأزمات" التي يعيشها "محايداً" او "متفرجاً" او "محمياً" حيال أزمة عالمية او اقليمية، فذلك يشكل الصدمة الايجابية الهابطة عليه في ظروف أفضل ما فيها انها قد تفرغ السياسة اللبنانية من كل الغطرسة السخيفة والمبالغات المفرطة التي تطبع اليوميات السياسية والاعلامية للبنانيين على أيد "بيضاء" لقادة رأي وزعماء عندهم.
منذ تصاعد أزمة الانهيارات المالية والمصرفية العالمية التي تجتاح قارات عدة، وجد اللبنانيون انفسهم فجأة في ملاذ آمن يجزم الخبراء الاقتصاديون والماليون والمصرفيون بأن لبنان محصن في مواجهتها. لا تتوقف هذه البارقة المفرحة عند حدود الطمأنة المالية والمصرفية للمستثمرين كما للمودعين اللبنانيين البسطاء والعاديين، ولا عند حدود ابراز الأعجوبة المصرفية اللبنانية المتينة فحسب، بل تتجاوزها الى "أم الفرص" المتاحة مع تهميش المعارك السياسية الصغيرة وانكفاء "المجتمع السياسي" امام المجتمع المالي والمصرفي والاقتصادي الذي ستفرض الازمة العالمية تقدم حضوره الى الواجهة في هذه الحقبة.
ولعلها المصادفة الأفضل على الاطلاق ان تمنح هذه الازمة الكونية زعامات لبنان وسياسييه اجازة مفتوحة قبل ان يبادروا بعد حين الى شنّ هجماتهم الكثيفة لاحتلال مقدم الواجهة مجدداً لحظة اطلاق صفارة السباق نحو الانتخابات النيابية. فلربما تشكل بضعة اشهر "سماح" للبنانيين، من الآن حتى مطالع الربيع، فرصة سانحة لمعاينة الحجم الحقيقي والطبيعة الحقيقية لأزماتهم بالمقارنة مع أزمة كونية عملاقة غير مسبوقة ارتجف العالم امامها واصيب برعب أشبه بالرعب النووي المتدحرج.
لعلهم يقارنون بين السخافات التي يقصفون بها يومياً في عناوين "قضايا" تشكل مصالح الزعامات والطوائف والمذاهب تسعين في المئة من حقائقها وترهن البلاد لها وتقصف اجيال الناشئة على مذابحها، وأزمة كونية لم تقو على منعها والتسبب بها اصلا أقوى دول العالم.
ولعلهم يقارنون بين حجم لبنان الشاغل في الظروف العادية هذا العالم بأسره بصخب ازماته الناجمة عن قصور زعماء وارتهانهم وارتباطهم بكل خارج طامح الى سحق نموذجه، فيما ينشغل العالم عنه اليوم فيجد نفسه فجأة، غير مصدق، انه حقق مرة في تاريخه على غفلة من سياسييه معجزة الحماية واقام لنفسه شبكة امان لأن أيدي السياسيين لم تعبث حيث يجب الا تمتد، والا لكانت احرقت الاخضر واليابس.
لقد اكتوى لبنان قبل سائر الدول الكبرى والصغرى بتجربة اللعب والعبث بقوت الناس وجنى الاعمار. وشهد انهيارات مالية واقتصادية مجلجلة بلغ ارثها مع تركة الحرب وعبث السياسة ديناً عملاقاً اسطورياً. ومع ذلك فان الأزمة المالية العالمية الراهنة أبرزت مفارقة في الواقع اللبناني من غير الممكن للسياسيين ان ينكروها، هي ان النظام المصرفي ما كان له ان يشكل شبكة امان للبنان واللبنانيين لولا التزامه النظم القانونية الصارمة وتحييد هذا النظام عن البدع والهرطقات والانقلابات السياسية. وقد كلف الوصول الى هذه المفارقة الكثير الكثير. ومن غير الجائز ان تعصف بالعالم أزمة بهذه الخطورة غير المسبوقة التي يستحيل التكهن بآثارها وانعكاساتها، اضافة الى كل ارث الازمات التقليدية المحيطة بلبنان والمتحكمة فيه، ويبقى اللبنانيون على مواعيدهم المملة القانطة مع مجتمع سياسي كأن سكانه يدمنون الاقامة في الكهوف ولا يتقنون سوى "علم" الشتائم والسباب والسجالات والمعارك الدونكيشوتية. وافضل ما يصيب اللبنانيين في الاشهر المقبلة هو اضطرارهم الى ان يكونوا انتهازيين عبر المقارنة بعقول باردة بين ما عندنا وما يشهده العالم. وكفى.