ما أشبه اليوم بالبارحة… رشقات متقطعة "للتذكير فقط"!
هل يكشف عون ما يردّ اتهامه بـ"القنابل الصوتية"؟
يتذكر اللبنانيون جيدا ان جبهة الاسواق التجارية في زمن الحروب المتتالية في لبنان وعليه لم تكن جبهة حرب حقيقية، بمعنى انها بين طرفين مختلفين يسعى احدهما الى اجتياح مواقع الآخر وحسم الموقف عسكريا، بل كانت ما بعد تقاسم مغانم الاسواق ومخازنها ومصارفها، "للتذكير فقط" بأن الحرب مستمرة والحل ممنوع ولم يحن او انه بعد في انتظار بعض "الفواتير" او "الانجازات" التي كان المتحاربون يسعون الى تسديدها وتحقيقها لغايات ومآرب شتى سياسية ومادية واحيانا شخصية، وان على حساب دماء الناس وارواحهم وممتلكاتهم… وكانت المعادلة المتداولة بين السياسيين في ما يشبه الاجماع ان "الموت ممنوع، ولكن الشفاء ممنوع ايضا"، بمعنى استمرار "فاتورة المستشفى"، تسديداً لحسابات اقليمية ودولية، ونادرا محلية. وكان يكفي ان يطلق احد طرفي القتال "رشقا" في الهواء، كانا يتناوبان عليه بوتيرة يومية في الليل، للتذكير باستمرار الحرب ومنع الحل، الى ان جاء اوانه بعد مخاض عسير وحروب "سنتين" وبرامج مرحلية "وحركة وطنية" و"جبهة لبنانية" و"تحرير" و"الغاء" وجيوش من كل حدب وصوب، فكان مؤتمر الطائف وتحولت وثيقة الوفاق الوطني دستورا عام 1989 – 1990.
وما يحصل هذه الايام في زمن "السلم" هو ان مجهولين – دائما مجهولين – يركزون نشاطهم على ما يبدو في بعض احياء طرابلس وخصوصا شارع سوريا بين باب التبانة وبعل محسن، وحي "الملولة" وغيره ويلقون قنابل صوتية او غيرها تحت جنح الظلام. ويبدو انها، على غرار قنابل الاسواق التجارية ايام زمان، للتذكير فقط، بأن ثمة ما لم يتحقق بعد قبل السماح بالحل الجذري اي الهدوء التام. ويبقى التذكير من خلال القنابل الصوتية مقبولا بالقارنة مع جرائم التفجير الكبرى التي كان آخرها في البحصاص احد مداخل طرابلس، ومرة جديدة، غدراً بالجيش وبالمدنيين الابرياء الساعين الى الرزق الحلال.
وفي موازاة القنابل الليلية، ثمة قنابل صوتية من نوع آخر يطلقها سياسيون يضعون انفسهم في موقع "الحريص" على استمرار الحرب، سياسيا على الاقل، من خلال تصريحات مبرمجة "للتذكير" ايضا بأن الحل ممنوع والحرب مستمرة في انتظار انجازات واستحقاقات يبدو واضحا ان محطتها الاساسية، بل "غلّتها" الوحيدة في الانتخابات النيابية الآتية بعد اقل من ثمانية اشهر، وثمة من يحارب من اجل حفنة من المقاعد النيابية و"الكراسي" وان على حساب ارواح الناس وممتلكاتهم وأعصابهم، ولا تفسير آخر للتصعيد السياسي من اي جهة اتى، سوى السعي الى مزيد من التوتير، بحثا عن "مشكل" وانتصارات وهمية من خلال شد العصب الطائفي (!) وصولا الى "تسونامي" انتخابي يعزز الزعامات… واي زعامات تلك التي تبنى على دماء الناس وارواحهم وممتلكاتهم، بل على حساب تدمير احلامهم بحياة مستقرة! والباحثون عن "مشكل" كثيرون وان بنسب متفاوته، ومن الظلم حصرهم بطرف واحد.
ذات يوم وفي خضم مرحلة من التصعيد السياسي، سئل أحد القريبين من رئيس كتلة نيابية عن تفسيره لهجوم مفاجىء تعرض له من احد نظرائه، فأجاب دون تردد: "انه ذاهب الى مؤتمر مسيحي وهو يبحث عن مشكل مع مسلم"! يومذاك كان الهجوم من رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون على رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري، عشية دعوة وجهها عون الى عدد من النواب المسيحيين الحاليين والسابقين، تحت عنوان "مؤتمر مسيحي" في قصر المؤتمرات في ضبية.
وليس سرا ان رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" يركز هجماته في هذه المرحلة، وبوتيرة شبه يومية على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي يمتنع دائما عن الرد، واذا فعل، فبهدوء وباسلوب متميز ومختلف يشهد له فيه الجميع، وحتى من خصومه السياسيين. واما اوساطه فترى ان "عون يبحث باستمرار عن مشكل في انتظار الانتخابات النيابية سعيا الى تأمين عودة كتلته الى المجلس وزيادة عدد اعضائها اذا استطاع الى ذلك سبيلاً ".
واسوأ ما في هذه "المعركة" انها تتخذ في بعض الحالات منحى طائفيا وفئويا. ويرى سياسيون، وبينهم من هو اقرب الى "المعارضة" منه الى "الموالاة" رغم ائتلافهما في "حكومة وحدة وطنية"، ان "عون لا يتجرأ سوى على فئة معينة من السياسيين واهل الحكم"، ويشيرون صراحة الى استهدافه رئيس الحكومة شخصيا، وعددا من رؤساء المؤسسات الامنية والادارية. وبصراحة اكثر، يقول عدد من هؤلاء في مجالسهم الخاصة "ان عون لا يجرؤ سوى على السنّة من السياسيين او الموظفين الكبار في حين يهاب الآخرين ولا يتجرأ على مهاجمتهم، بل انه يستضعف الرئيس فؤاد السنيورة مستغلا تهذيبه وعدم انجراره الى سجالات واستعمال عبارات نابية كتلك التي يستعملها ضده".
وثمة كلام كثير يقال في بعض المجالس ليس في مصلحة "الجنرال" على الاطلاق، واكثر ما يستفز اصحاب هذا الكلام حديثهم عن "تطاول عون على الرئيس الشهيد رفيق الحريري في قبره لمآرب سياسية وشخصية وهذا اقل ما يقال فيه انه معيب ولا يرقى الى مستوى العمل السياسي".
واذا كان الرئيس نجيب ميقاتي "الوسطي والمعتدل" قد انبرى الى الرد على التصريحات الاخيرة لعون والتي تضمنت عبارات نابية في حق رئيس الحكومة، فان الرئيس سليم الحص الهادىء والرصين وغير "المغرم" برئيس الحكومة، يبدي اشمئزازا من العبارات التي سمعها الناس تكرارا من عون في الاسبوعين الاخيرين وكذلك الامر بالنسبة الى الرئيس عمر كرامي رئيس "اللقاء الوطني" وأحد اركان المعارضة، وكذلك الرئيس امين الجميل والوزير نسيب لحود وكثيرون غيره ممن يحظون باحترام وتقدير عند الجميع ومن مختلف المشارب والمذاهب.
وسواء اكان منتقدو الحملات الاخيرة لعون على حق ام لا، فان من حق اي مراقب ان يتساءل عن "سر" هذه الحملات المفاجئة التي تهبط وتصعد، وقد ازدادت صعودا في "زمن" الانتخابات النيابية. وستظل التساؤلات على اختلافها مبررة ومشروعة في ظل اقتصار خطب النائب عون وتصريحاته الاسبوعية بعد اجتماع كتلته النيابية، على "العموميات" والهجمات الشخصية كما يرى خصومه، متجاهلا "الاسباب الموجبة" التي وحدها تبعث على افتراض حسن النية، وتقطع الطريق على متهميه بالفئوية والطائفية وعلى من لا يرون في حملاته سوى "قنابل صوتية مع اقتراب الانتخابات بحثا عن انتصارات وهمية". وفي الانتظار سيبقى من غير المفهوم كيف يكون المسؤول "سارقا" ونائبه احد "اركان" صاحب التهمة ناهيك بالثقة التي محضها الأخير للحكومة والوزراء الاقربين والأبعدين؟