… الحليب كاويني !
تحرص أميركا، رغم ما تواجهه الآن من أعاصير مالية وانشغالات انتخابية وسبات نسبي في سياستها الخارجية بين عهد وعهد، على طمأنة اللبنانيين وإزالة مخاوفهم المتزايدة من الحشود العسكرية السورية على الحدود، عبر التأكيد المتكرر انها لم تتخل عن التزاماتها المعلنة حيال لبنان.
ج
التحليل الموضوعي لهذا التحرك الاميركي اللافت، يدفع تلقائيا الى القول ان المصالح الاميركية في لبنان والمنطقة تستدعي هذا الامر على الاقل للايحاء بثبات السياسة حيال لبنان، كما تستدعيه طبعا المخاوف عند عدد كبير من اللبنانيين، وخصوصا بعدما وصل الامر الى حد اضطرار الرئيس ميشال سليمان الى الاتصال بالرئيس بشار الاسد مستطلعا، ليأتي الجواب أن ما يحصل على الحدود السورية تم التطرق إليه في القمة بين الرئيسين ونص عليه صراحة البند الثالث من البيان المشترك الصادر عنها!
وهكذا وجد اللبنانيون في الايام القليلة الماضية انفسهم يغرقون في سيل من التصريحات الصادرة عن مساعد وزيرة الخارجية ديفيد هيل الذي يزور بيروت برفقة وفد يضم مساعدة وزير الدفاع ماري بيث لونغ، وكذلك عن مسؤولين كبار في واشنطن بينهم المتحدث باسم وزارة الخارجية روبرت وود الذي اوضح ان اميركا ودولا اخرى ابلغت الى سوريا ان اي تدخل من دمشق في لبنان غير مقبول.
لكن المثير في كل هذا ليس ما يقوله هيل في بيروت او وود في واشنطن، بل ما ابلغه مسؤول بارز في الخارجية الاميركية الى مراسل "النهار" في واشنطن الزميل هشام ملحم، من ان هناك نوعين من المبالغات على هامش بدايات استئناف الحوار بين واشنطن ودمشق:
☐ اولا: مبالغة من سوريا وحلفائها اللبنانيين للايحاء ان اميركا تسير على خطى فرنسا في طريق اعادة مراجعة سياستها حيال دمشق، وبالتالي فان هذا يمكن ان يشكل تجاوزا او تساهلا في مسألة الالتزامات الاميركية حيال لبنان. وان الامور تتجه نحو اعادة الحوار الاميركي – السوري انطلاقا من لقاء الوزير وليد المعلم مع كوندوليزا رايس ثم مع ديفيد وولش.
☐ ثانيا: مبالغة من اكثرية اللبنانيين في ابداء القلق مع عودة اللقاءات السورية – الاميركية. وان هيل يحاول في بيروت وضع الامور في نصابها بالتأكيد على ثبات الموقف من سوريا وثبات الالتزامات حيال لبنان.
❐ ❐ ❐
في اي حال ان المضحك – المبكي في هذا الامر، هو ما يقوله المسؤول الاميركي لمندوب "النهار" من ان الخارجية الاميركية تستغرب بروز مثل هذه المخاوف عند اللبنانيين وتستغرب اكثر ان بعضهم لا يريد ان يقتنع او يركن الى التطمينات الاميركية.
والواقع ان الاستغراب هنا هو من حق اللبنانيين. على الاقل الاستغراب من الاستغراب الاميركي بالذات، ولكأن لبنان لم يكتوِ من قبل بنار التخلي الاميركي عنه، وهو البلد الذي تم تلزيمه الى سوريا في وقت من الاوقات على ايدي الاميركيين.
وأمام هذا الاستغراب الاميركي قد يكون من الملائم ان يقوم احد الدهاقنة في بيروت بترجمة ذلك الحوار الطريف للمستر هيل:
سؤال: لماذا تنفّخ على اللبن؟
جواب: لان الحليب كاويني.
واذا كان لا بد من المضي في الاستغراب، فيقتضي مقارنة قول واشنطن بانها تستثمر في اعادة بناء الجيش اللبناني بالمساعدات المتواضعة المعلن عنها اول من امس وقيمتها 63 مليون دولار ثمن عتاد وآليات خفيفة وذخائر وزيوت وشحوم ايضا. لا صواريخ ولا انظمة دفاع جوي ولا مدفعية او اسلحة متطورة ربما نزولا عند طلب اسرائيل عدم تسليح الجيش اللبناني.
من المفيد الانتباه الى ان هذه المساعدات تأتي بعد كلام نشر في بيروت ودعا الى قرع ابواب روسيا للحصول على الاسلحة. وهو ما يذكّر بقصة الرئيس المرحوم كميل شمعون والسفير الاميركي في بيروت روبرت ماكلنتوك عام 1956.
فبعد كساد موسم التفاح آنذاك استدعى شمعون ماكلنتوك وقال له:
– سعادة السفير قررنا ان نبيعكم موسم التفاح اللبناني.
فرد السفير: ولكن عفوا يا فخامة الرئيس نحن بلد مصدر للتفاح.
فقال شمعون: يمكنكم اخذ التفاح الى الاسطول السادس في المتوسط.
ورد السفير: عذرا فخامة الرئيس.
عند انتهاء المقابلة وقبل ان يخرج ماكلنتوك من الباب قال شمعون لمرافقه: اطلب لي السفير السوفياتي.
عندها استدار ماكلنتوك وعاد قائلا:
فخامة الرئيس قررنا ان نشتري التفاح اللبناني.
فقط للذكرى والعبرة.