لأن 14 آذار ترى الخطر على لبنان خلافاً لما تراه 8 آذار
المصالحات لن تتوصّل الى توحيد الموقف من السيادة والاستقلال
اذا كان تحقيق المصالحات الاسلامية – الاسلامية يهم دولا عربية واقليمية كي تحول دون حصول فتنة شيعية – سنية تمتد شرارتها الى هذه الدول، فان المصالحات المسيحية – المسيحية سواء تحققت أو لم تتحقق، فهو أمر لا يهمها كثيرا، لأن الخلاف بين المسيحيين حتى لو تحول الى صدامات مسلحة، لن يكون له أثر إلا داخل لبنان ولا امتداد له الى خارجه.
ومن جهة أخرى، فان المصالحات عموما هي مصالحات شكلية لا تتعارض والمصالح الذاتية ولا تغير المواقف السياسية، ولا هدف لها سوى الحؤول دون جعل الخلافات السياسية والشخصية تنتقل الى الشارع ويصير الاحتكام فيها الى السلاح بل الى صناديق الاقتراع بحيث يختار الناخب بين خطين سياسيين بارادة حرة بعيدا من أي شكل من أشكال الضغوط.
لذلك، فان أقصى ما تحققه المصالحات هو توفير أجواء هادئة للانتخابات النيابية المقبلة لئلا يؤدي تعكيرها الى افساد نتائجها والطعن بها او فرض تأجيلها أقله في المناطق التي تعرض فيها الامن للاضطراب وتحديد موعد جديد لاعادة اجرائها فيها.
وتعتقد سوريا وحلفاؤها ان المصالحات التي توفر أجواء هادئة للانتخابات المقبلة، قد تكون لمصلحة مرشحي قوى 8 آذار والمتحالفين معها لأن نتائجها محسومة شيعيا وكذلك درزيا بعد مصالحة جنبلاط – ارسلان، وأن العمل يجري بشتى الوسائل ومن خلال تأليف اللوائح لتكون محسومة لمصلحة مرشحي هذه القوى سنيا ومسيحيا، بحيث انه اذا فاز المرشحون المسيحيون في هذه القوى بنصف مقاعد المسيحيين في مجلس النواب المقبل وليس بسبعين في المئة منها كما حصل في الانتخابات الماضية، فان فوز المرشحين السنة في هذه القوى يعوض النقص المحتمل في عدد المقاعد للمسيحيين.
وترى أوساط سياسية أن المصالحات يكون لها أهميتها عندما يتم التوصل من خلالها الى تحقيق وحدة الموقف والهدف توصلا الى تحقيق وحدة الصف، بحيث لا يظل الزعماء اللبنانيون ولا سيما المسيحيون منهم مختلفين حول مفهوم السيادة والاستقلال وحول الخط السياسي الافضل الذي يصون هذه السيادة وهذا الاستقلال، وهو ما ينبغي العمل من أجله كي تبنى المصالحات على مبادىء وثوابت وطنية، وليس على معالجة خلافات شخصية ظرفية وعابرة. فعندما قام "الحلف الثلاثي" الذي كان يتألف من الزعماء الموارنة: كميل شمعون، ريمون اده وبيار الجميل، انما قام على أساس وضع حد لتدخل ما كان يسمى "المكتب الثاني" في الشؤون السياسية والقضائية، ومواجهة خطر اذابة الكيان اللبناني في وحدة عربية بدأت بين مصر وسوريا والتصدي للمد الناصري. وكان هذا الخطر كافيا لجعل الزعماء الثلاثة ينسون خلافاتهم السياسية والشخصية ويتوحدون حول هذا الهدف، وعندما زال الخطر عاد كل زعيم الى موقعه وموقفه. وعندما واجه الكيان اللبناني خطر المنظمات الفلسطينية المسلحة، وشاع أن لبنان سيكون الوطن البديل للفلسطينيين، تنادى الزعماء المسيحيون وشكلوا جبهة تضمهم عرفت بـ"الجبهة اللبنانية" التي وقفت بوحدتها وتضامنها سدا منيعا في وجه هذا الخطر.
وقد يكون لبنان اليوم يواجه الخطر على هويته وكيانه ونظامه، ومطلوب من الزعماء اللبنانيين ولا سيما المسيحيين منهم التوحد لمواجهة هذا الخطر خصوصا ان نتائج الانتخابات النيابية المقبلة قد تكون مفصلية في هذه المواجهة وتضع مستقبل لبنان على مفترق.
وتضيف الاوساط نفسها ان المهم هو أن يكون لدى الزعماء اللبنانيين ولا سيما المسيحيين منهم شعور واحد بوجود هذا الخطر كي يتوحدوا للتصدي له. لكن ثمة زعماء مسيحيين يعتبرون أن الخطر على سيادة لبنان واستقلاله ليس في التحالف مع سوريا وايران بل ان هذا التحالف هو الذي يصون سيادته واستقلاله ويحميهما من خطر اسرائيل… فيما يرى زعماء آخرون ان الخطر على سيادة لبنان واستقلاله يتأتى من هذا التحالف لأن لسوريا مطامع تاريخية بلبنان، ولايران مطامح ومطامع للعب دور سياسي وتوسعي في المنطقة، وأن تكون لاعبا مهما سواء في استراتيجية مواجهة اسرائيل او في وضع استراتيجية سلام معها.
لذلك، لا يمكن التوصل الى تحقيق مصالحة بين الزعماء اللبنانيين ولا سيما المسيحيين منهم ما لم يتوصلوا الى اقتناع بأن لبنان في خطر، وأن عليهم التوحد حول الوسيلة التي ينبغي اعتمادها لمواجهة هذا الخطر. وما دام زعماء منهم لا يشعرون بوجود هذا الخطر او يعتبرون ان الخطر الوحيد على لبنان هو اسرائيل وينبغي التصدي له بالتحالف مع سوريا وايران فيما يرى زعماء آخرون خلاف ذلك، فلا سبيل اذاً الى جمعهم حول موقف واحد وهدف واحد، كما جمعهم في الماضي "الحلف الثلاثي" لمواجهة تدخل "المكتب الثاني" في الشؤون السياسية والقضائية، وكما جمعتهم "الجبهة اللبنانية" لمواجهة المد الناصري وخطر التنظيمات الفلسطينية المسلحة على لبنان وكيانه.
الواقع، أن الزعماء المسيحيين منقسمون حاليا بين من هم مع التحالف الشيعي الذي يرى ان حماية استقلال لبنان وسيادته يكون بالتحالف مع سوريا وايران، ومن هم مع التحالف السني – الدرزي لأنهم يرون ان الخطر على استقلال لبنان وسيادته وكيانه وهويته ونظامه هو بالوقوف مع التحالف السوري – الايراني، وأنه ينبغي الوقوف مع كل من يرفع شعار "لبنان أولا". فهل يمكن التوصل أقله الى وحدة هدف وموقف بين الزعماء المسيحيين حول أي لبنان يريدون، حتى اذا ما اتفقوا على ذلك جعلوا الزعماء المسلمين يقررون الانضمام الى موقفهم او انضمام بعضهم من دون بعضهم الآخر، كما حصل في معركة الاستقلال عام 1943 اذ أن زعماء مسيحيين ومسلمين كانوا في جهة وزعماء مسيحيين ومسلمين كانوا في جهة أخرى، وكانت نتائج الانتخابات النيابية هي التي تحسم بين الخيارين.
لقد أعلن الرئيس ميشال سليمان في كلمته امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة أي لبنان يريد، فهل يتوحد اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم حول هذا "اللبنان" ولا سيما المسيحيون منهم وتحديدا الموارنة لأنهم أساس وجود لبنان الديموقراطي التعددي السيد الحر المستقل وإلا واجه لبنان بحكم واقعه الجغرافي والتاريخي الخيار بين سياسة الحياد التي اعتمدتها سويسرا بعد حروب دامت مئة عام، أو نظام "الفيديرالية"!