هل صحيح أن المواجهة سنية – شيعية ؟
ثمة نظرية يتناقلها عدد من القادة والمفكرين المسيحيين في حلقات مناقشات جدية، مفادها ان الازمة اللبنانية الراهنة هي انعكاس لصراع اكبر، هو الصراع السني – الشيعي الذي يمتد على الساحة الاسلامية بكاملها، في ظل توسّع طموحات ايران الاسلامية اقليميا في المحيطين العربي والاسلامي. ويذهب هؤلاء الى ان لبنان يشهد معركة بين الفئتين بشعارات وطنية. وما هو اهم من ذلك كله اعتبار هؤلاء القادة والمفكرين ان مسيحيي 14 آذار و8 آذار يرتكبون خطأ فادحاً بالانخراط في معركة لا علاقة لهم بها. من هنا دعوتهم المسيحيين الى الوقوف على الحياد في ما يعتبرونه معركة اسلامية – اسلامية سيدفعون هم ثمنها أياً تكن الفئة المنتصرة. ويقدمون الفكرة في قالب جذاب يحمل شعار "المسيحيين صلة الوصل بين المسلمين".
وكي لا يُفهم أن الهدف من كلامنا هذا فتح سجال مع جهات دينية، نقول إن النظرية لها أربابها العلمانيون أيضاً في كلا المعسكرين الكبيرين في لبنان، وجلّهم ممن يحنّون الى الفيديرالية كحل للبنان، وربما كانوا على حق قياسا بالتدمير المنهجي الذي تتعرض له فكرة لبنان الواحد، ولبنان الدولة الواحدة الموحّدة.
ان الهدف من إثارة الموضوع اليوم هو التذكير بأن الخلاف الذي يبدو في ظاهره صراعا سنياً – شيعياً هو في الحقيقة صراع حول فكرة لبنان الكيان. وإذا كان المسلمون السنة قد انتقلوا من وضعية المتعايشين مع لبنان منقوص السيادة، ولبنان الساحة لتصفية الحسابات الاقليمية، الى وضعية المتقدمين في معركة الاستقلال أسوة بغالبية كاسحة من الجمهورين المسيحي والدرزي، وبفئة نخبوية شيعية مستقلة، فمعنى هذا أنهم حققوا ما كان يخشاه نظام الوصاية التذويبي السابق، أي أن يتّحد مسلمون مع مسيحيين تحت مظلة خيار واحد، هو خيار الاستقلال، ومشروع واحد هو مشروع الدولة، ونظام واحد هو النظام الديموقراطي التعددي الذي يحترم خصوصيات فريدة داخل المجتمع اللبناني. وقد شكل التحالف المسيحي – الاسلامي – الدرزي – الشيعي المستقل الذي كشف عن نفسه في 2004 البوابة الرحبة لانتقال لبنان من مرحلة التعايش مع الوصاية، الى مرحلة النضال من اجل الاستقلال بصيغته المتنوّعة الواسعة لبنانياً. ولم يكن الخيار الذي سار عليه الثنائي الشيعي بمحافظته على تحالفه مع النظام السوري وسياساته اللبنانية من جهة، ووقوفه خلف ايران وأجندتها الخارجية من جهة أخرى، ليعتبر أنه خيار شيعي في مواجهة بقية الطوائف اللبنانية، ولا سيما الطائفة السنية. فالخلاف لم يدر حول الدين، ولا حول الطائفة، ولا حتى حول تمدد هذه أو تلك من الطوائف على حساب البقية. وحتى في أحلك أيام المواجهة يوم غزوة بيروت والهجمة على الجبل، لم تكن النخب الحقيقية في 14 آذار ترى في ما حصل تمدداً شيعياً بل ظلّت ترى في الغزوات خياراً سياسياً، وفي العمامات غطاء لأجندات سياسية ليس إلا. بالطبع استُخدم الدين في المواجهة. كيف لا والصورة الدينية المذهبية عند 8 آذار طغت على كل ما عداها. حتى وصل الامر بالغُلاة الى إضفاء القداسة والألوهة على سياسات دنيوية غرضية، وعلى بشر
عاديين.
لقد جرى تحريف عنوان المواجهة في لبنان بأن وُصفت خطأ أنها بين مسلمين ومسلمين. والحال ان حصار الثنائي الشيعي لفئة مستقلة كبيرة في الطائفة الشيعية وترهيبها، أعطى انطباعاً خاطئاً بأن الشيعة اللبنانيين كلهم يقفون مع الأطماع السورية في لبنان، أو أنهم كلهم يويدّون تبعية "حزب الله" لإيران وطموحاتها في المشرق العربي. والحق ان العنوان الحقيقي للمواجهة في لبنان هو الصراع بين خيارين تاريخيين واضحين، الاول خيار الاستقلال، والدولة، والنظام الديموقراطي، ونمط الحياة التعددية الحرة، أما الثاني فهو خيار تحويل لبنان محمية سورية، وقاعدة متقدمة لإيران على شاطئ المتوسط. وخطورة هذا الخيار انه لا يمكن إمراره إلا بضرب أسس المجتمع اللبناني، وكسر مشروع الدولة، وبناء ديكتاتورية معممة، مقنّعة في الداخل. من هنا قولنا إن المواجهة ليست بين طائفتين على المواقع والحصص، بمقدار ما هي معركة حول بقاء لبنان الكيان المستقل التعددي الحر أو عدمه. وفي هذه المعركة لا مكان لمسيحيين على الحياد، حتى وإن بدا من خلال الغبار الذي يثيره أمثال الجنرال ميشال عون ان الخلاف واقع في مكان آخر.
إن مهمة اللبنانيين على اختلافهم من المسيحيين، الى السنّة، الى الدروز، فالشيعة المستقلين ان يعودوا الى الينابيع، عبر العودة الى روحية 14 آذار التي ما هدفت يوماً الى ان تستثني فئة من مشروعها الاستقلالي ولن تفعل.
إن المطلوب اليوم إعادة الأمور الى جذورها، لأن الذين فجّروا ثورة الأرز من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية والطائفية إنما اعتبروا أنفسهم في محطة تاريخية مجيدة، لبنانيين… فقط لبنانيين!