عون يسعى لطرح نفسه "عراباً للحلول" من خلال التهجم على رئاسة الحكومة وبكركي
فيما آثر رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عدم الرد على حملات التجني والافتراء التي تستهدفه بشكل شخصي، مكتفياً بالقول: "ان الوقت وقت عمل، وليس وقت المساجلات الكلامية وتسجيل المواقف السياسية"، استغربت مصادر حكومية ونيابية في قوى الغالبية الهجوم غير المبرر الذي يشنه النائب ميشال عون على السنيورة، مستخدماً في هجومه عبارات لا تليق لا به، ولا بمقام رئيس الحكومة، في وقت تتجه فيه البلاد إلى تعميم المصالحات التي كان قد بدأها الرئيس السنيورة، ورئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري من الشمال، وصولاً إلى البقاع الأوسط، وانتهاءً باللقاء المرتقب بين الحريري والأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله.
وسألت المصادر عن "مبرر الهجوم العوني على شخص الرئيس السنيورة، في الوقت الذي يتمثل به عون بخمسة وزراء في الحكومة الحالية، خصوصاً وأن اختيارهم لم يأتِ من قبل الصدفة، فقد تطلب لقاءً استثنائياً بعد الزيارة التي قام بها السنيورة إلى الرابية، والتي اتفق بموجبها مع عون على أسماء الوزراء والحقائب التي اعتبرت من حصة "التيار الوطني الحر" وحلفائه المسيحيين المعارضين".
هذه الزيارة التي قوبلت بالبرودة والفتور من قبل فريق الغالبية على قاعدة عدم إيجاد ما يبرر القيام بها، طالما أن الجنرال في حينه لم يبدل من الشروط التعجيزية التي طرحها في مرحلة تأليف الحكومة.
فقد قيل آنذاك ان هذا التنازل الذي منحه الرئيس السنيورة لجنرال الرابية، أتى على حساب حصة الغالبية من الوزارات السيادية ووزارات الخدمات، وأن قطبي الأكثرية الحريري ورئيس "اللقاء الديمقراطي" وليد جنبلاط، قدما الكثير الكثير من التنازلات لتسهيل مهمة تأليف الحكومة بحالتها الحالية التي صبت في خدمة العماد عون وحلفائه".
ورأت المصادر "أن ما يجري الآن من حملات مغرضة يشنها عون ضد شخص السنيورة، تعد خروجاً عن مضمون اتفاق الدوحة الذي نص على وقف حملات التجريح والتخوين، ومنع اتخاذ المواقف السياسية الانفعالية أياً تكن الأسباب، لأن المحاسبة يجب أن تتم داخل مجلس الوزراء، طالما أن كل القوى السياسية متمثلة به".
وسألت عن سر هذا التوقيت المباغت والمفاجئ، إذ أن الأجواء السياسية لا توحي باختلاق الأزمات السياسية والتشنجات التي لم يعد لها ما يبررها، وبالأخص ضد الرئيس السنيورة الذي يبدي انفتاحاً ملحوظاً على كل القوى السياسية التي كانت تعارضه وفي مقدمها عون.
المصادر الحكومية والنيابية رأت "أن عون في هجومه غير المتوقع على الرئيس السنيورة يسعى لخلق بؤرة توتر على صعيد الانسجام الحكومي، قد تؤدي إلى مقاطعة وزرائه الخمسة جلسات مجلس الوزراء، على غرار ما كان حاصلاً في الحكومة الماضية، بحيث يتصرف هؤلاء الوزراء باستقلالية ومن دون العودة إلى مقررات مجلس الوزراء، بما يخدم مصالحهم الانتخابية، ومصالح القوى التي يمثلونها، وبذلك يكون قد ضمن حرية التصرف في توزيع الخدمات على جماعته والمحسوبين على تياره، ما قد يخلق فجوة في توزيع الخدمات وعدم التوازن بين المناطق والفئات اللبنانية، اعتقاداً منه بأن هذه الطريقة هي المثلى في إعادة تأليب الرأي العام إلى جانبه، بعد شعوره باتساع الهوة بينه وبين أنصاره، خاصة بالنسبة للوعود التي قطعها لهم، في ما يتعلق بمحاربة الفساد, وملاحقة المفسدين، ومعاقبة الفاسدين وغيرها من الوعود بالنسبة للتوزيع العادل للخدمات".
ونبهت المصادر من مخاطر تأييد "حزب الله" وحركة "أمل" حليفهم ميشال عون في معركته الجديدة ضد السنيورة، التي قد توصلهم في نهاية الأمر لاستخدام الثلث المعطل، الأمر الذي يؤدي إلى شلل العمل الوزاري، وبالتالي لا تعود الحكومة صالحة للإشراف على الانتخابات النيابية المقبلة، ما يعني دخول البلاد في أزمة حكومية من جديد".
وعلمت "السياسة" أن معركة إسقاط الحكومة الحالية أو إضعافها وشل قدرتها على العمل ستكون مطلع السنة المقبلة 2009 لأن ذلك سينسحب أيضاً على الاستحقاقات الكبرى التي ينتظرها الشعب اللبناني، وفي مقدمها المحكمة الدولية التي يتوقع تشكيلها للنظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
ورأت المصادر "أن عون لا يخوض معركته ضد الرئيس السنيورة في هذا الوقت من دون أن يكون على علم مسبق بنتيجة هذه الحملة، لأنه اختار السنيورة من دون غيره من فريق الغالبية لتوجيه انتقاداته اللاذعة إليه، كونه يعرف تمام المعرفة أن رئيس الحكومة يمثل رأس الهرم في السلطة التنفيذية، وهو الحاكم الفعلي في البلد، وأن إزاحته من الطريق أو من السراي الحكومي ما زالت هدفاً أساسياً من أهداف "المعارضة"، كما أنه يعتبر هدفاً سورياً بامتياز، لأن نظام دمشق غير مرتاح لوجود السنيورة على رأس الحكومة اللبنانية، كما أنه يطالب الفريق الموالي له باستخدام ما كان قد حصل عليه في الدوحة وهو الثلث المعطل بهدف تعطيل كل القرارات الحكومية، طالما أن هذه الحكومة لم تعترف حتى الآن بأحقية نائب رئيس مجلس الوزراء في أن يكون له مكتب في حرم السراي الكبير، النقطة التي ينطلق منها العماد عون في معركة إسقاط الحكومة، وإبعاد الرئيس السنيورة عن السراي.
وأكدت الأوساط النيابية والوزارية "أن عون بدأ معركته الجديدة على جبهتي بكركي والسراي الحكومي، فبالنسبة لبكركي وصف العماد عون سيد بكركي بالرجل الهرم العاجز عن إدارة شؤون الطائفة المارونية، وبالتالي عليه بسبب تقدمه في السن أن يستقيل، كي يتم انتخاب بديل عنه، وكذلك بالنسبة للرئيس السنيورة الذي أكد له عون حجم تمثيله السياسي في الحكومة، فهو الآن يستطيع الاستغناء عنه، لأن أي رئيس حكومة جديد مفترضاً به التعاطي مع العماد عون انطلاقاً من هذه القاعدة".
ومن هناك يحاول العماد عون اصطياد عصفورين بحجر واحد وهذان العصفوران هما من أغلى الطرائد التي يحاول عون اصطيادها عشية الانتخابات النيابية المقبلة والقول بأنه المرجعية الصالحة ليكون "عراب الحلول المستقبلية".
وفيما رأت هذه الأوساط "أن العماد عون ما زال يعيش بأوهام نتائج انتخابات 2005 التي أعطته أكبر كتلة نيابية مسيحية، فإنه هذه المرة يغامر برصيده الذي حصل عليه قبل أربع سنوات وهو متأكد من أن النتيجة ستأتي أيضاً لصالحه، في وقت يرى خصومه السياسيون بأن ما تقدم به يعتبر بداية النهاية لجنرال ما زال يحلم بالوصول إلى الحكم حتى ولو لم يحظ بتأييد أحد".