#adsense

عون على مشارف الذكرى السنوية الـ18 لـ13 تشرين1 1990

حجم الخط

كيف لا يكون "الخاسر السيئ" وهل يمكن أن يشكل ضمانة سيادية
وماذا عن خروجه من سوريا بعدما أدخله إليها "أهل الثبات"؟
عون على مشارف الذكرى السنوية الـ18 لـ13 تشرين1 19
90

خلال الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا، هاجم المرشح فرانسوا بايرو الصحافة وانحيازها الى التجاذب الحاد بين اليمين ممثلاً بالمرشح نيكولا ساركوزي وبين اليسار ممثلاً بالمرشحة سيغولين رويال، على حساب "الوسطية" التي يشكلها هو.

بطبيعة الحال، لم يصل بايرو إلى الدرك الذي انحدر اليه العماد ميشال بقصفه المدفعي المركز على الصحافة اللبنانية، ومع ذلك توافق الإعلام المرئي والمسموع مع الصحافة، على توصيف واحد لبايرو: إنه خاسر سيئ.

لقد كان هجوم بايرو على الصحافة، في أيامه الأولى، مثمراً، فاستطلاعات الرأي وقفت الى جانبه، انطلاقاً من أن الرأي العام له، بدوره "حسابات" يريد تصفيتها مع الصحافة، التي مهما ارتقت بحرفيتها، تبقى قاصرة عن الاستجابة لتطلعاته وهمومه التي هي تطلعات وهموم قد تكون في فترات كثيرة على تناقض مع ثوابت النخبة هنا ومصالح رأس المال هناك.

ولكن مع تلاحق الأيام، انقلب هجوم بايرو على الصحافة وبالاً عليه، لأن الرأي العام بالمحصلة يتميّز بليونة تسمح له بتطوير نفسه بحيث يرتقي، شيئاً فشيئاً، من مستوى ردة الفعل الأوّلية الى مستوى المؤهل للحكم بكثير من الموضوعية على المسألة المثارة، مشكلاً ما يمكن تسميته بالإرادة الشعبية، التي تنحاز الى المبادئ الديموقراطية، مهما كانت عللها، على حساب الأفراد، مهما كانت شعاراتهم.

ومن يدقق بكل المحطات الحاسمة شعبياً، يمكنه أن يتأكد من أن الرأي العام في أي مجتمع، لا يستطيع أن يقف، سوى للحظات عابرة، في محطات الخاسرين السيئين، لأنّ هذا النوع من الناس، أنتج، من حيث يدري أو لا يدري، على مر التاريخ كوارث لا تزال البشرية تعاني من آثارها.
ولا يخرج الرأي العام اللبناني، عن هذا المسار، إذ تكفي مراجعة الأمثال الشعبية والأقوال المأثورة، ومحورها السلوكيات الواجب أن يتمتع بها كل خاسر، حتى يتم التأكد من أن اللبنانيين، يرفضون بدورهم "الخاسر السيئ".
وبالنسبة الى اللبنانيين، فإن العماد ميشال عون كرّس نفسه من ضمن هذه الفئة المنبوذة.

بعد 13 تشرين أول 1990، وعلى الرغم من الهزيمة العسكرية التي مُني بها عون، بقي الرأي العام متعاطفاً معه، فهو اعتبر سقوطه أمام الهجوم السوري بمثابلة إكليل من الشوك توّج مسار الحروب التي شنّها، منذ رفعه توقيع رئيس الجمهورية الخارج أمين الجميل، الى مستوى رئيس لحكومة انتقالية.

وقد ترسّخ هذا التعاطف كنتيجة مباشرة، لسلوكية ظاهرة اتبعها الجنرال المنفي، بحيث ارتقى فوق الضغائن الداخلية التي أثارتها حربه على "القوات اللبنانية"، ليتمكن من حماية نفسه كضامن للثوابت السيادية في وجه الاحتلال السوري، وعلى هذا الأساس يتطلع اللبنانيون باهتمام الى مجموعة من النظريات التي ركز عليها عون، في فترة نفيه، فكانوا يتفاعلون مع وقوفه ضد الملاحقات التي يتعرض لها الدكتور سمير جعجع، ومواجهة كل المسائل الداخلية انطلاقاً من عبث النظام السوري، الذي لم يكن من وجهة نظره مجرد قوة احتلال فحسب، بل كان خطراً داهماً ودائماً انطلاقاً من وظيفة "الإطفائي المهووس" التي أسست لدخوله أصلاً الى لبنان.

وعلى هذا الأساس، عندما عاد العماد ميشال عون الى لبنان، رفض اللبنانيون الوقائع التي تُثبت أن العودة جاءت في إطار صفقة مع النظام الأمني اللبناني ـ السوري، وقد جرى التستر عليها بالثوب الفضفاض لثورة الأرز، فوقفوا الى جانبه وأيدوا كل ما أقدم عليه ومن بينه تعويم رموز بارزة على صلة وجودية بالنظام السوري، على اعتبار أن الجنرال قال لهم إن باب التوبة مفتوح أمام الجميع، وتالياً فإن عون يفتح باب إعادة هؤلاء، بشكل نهائي، الى لبنان من سوريا، لئلا يكونوا في مرحلة لاحقة عاملين على إشعال الحرائق حيث يريدها الإطفائي المهووس.

ولكن، في وقت متأخر بدأ يتبيّن للرأي العام اللبناني عكس ذلك تماماً، فالجنرال العائد، ذهب هو من لبنان الى سوريا، وأعلن هو توبته عن "خطيئة" خصومته معها، وأشاد هو بثبات من كان معها واستمر، ونسي هو مقولة الإطفائي المهووس، وقاد هو حملة التمويه عما تقترفه هي بحق السيادة اللبنانية الجديدة، ووقف هو الى جانب السلاح غير الشرعي منتقلاً من مقولة إن هذا السلاح هو عامل تقسيمي الى مقولة إن هذا السلاح هو عامل توحيدي، وارتمى هو بأحضان الآليات الدعائية التي كانت مكلفة من المخابرات السورية تشويه سمعته ليطعن بخناجر كثيرة جميع من وقف الى جانبه بالحد الأقصى في زمن الاحتلال، وبات بيته مسرحاً لرجال الثنائي رستم غزالي ¬ جميل السيد وميداناً معادياً لمن واجهوا هذا الثنائي، عملاً بمبادئه، على اعتبار أن رستم غزالي هو رمز الذل وجميل السيد ـ والتوصيف لعون ـ هو قبيح العبد.

وبذلك، بدل أن يعود عون الى لبنان "جنرال التحرير" عاد "جنرال حرب الإلغاء"، وبدل أن يكون 13 تشرين أول 1990 يوم المواجهة القصوى في معركة التحرير التي لا تنتهي بهزيمة عسكرية، أصبح مجرد محطة من سوء التفاهم بين حلفاء.

وقد بدا أن عون، مستعد للتضحية بكل شيء من أجل هدفه السامي، أي رئاسة الجمهورية، ولكنه اصطدم بحقائق لبنانية كثيرة، فانتقاله من ضفة الى أخرى في بلد الموازنات الدقيقة، يستحيل أن يضعه في موقع الوسط، أي في رئاسة الجمهورية، فاستعاد حيثيته العنفية، بحيث تحوّل الى داعية صدام بين اللبنانيين، فكان يُهدّد هنا، ويستثمر العنف هناك، ويشمت من ضعيف هنالك، حتى أنه في لحظة حبور بالسابع من أيار استيقظ على عجل واستدعى مصفف شعيراته وحاقن خدوده، ليعقد مؤتمراً صحافياً يعلن فيه، على تخوم استعداد "حزب الله" لاقتحام الجبل، إنتهاء المعارك وعودة القطار الى السكة، موزعاً المهزومين الى فئات: فئة مغلوب على أمرها ستحتفظ بحريتها، وفئة سوف تُحاكم على ما اقترفته.

ولكن "أجندة" حزب الله كانت مختلفة جذرياً عن الأجندة الشخصية للعماد ميشال عون، فأتى اتفاق الدوحة الذي كبّده الثمن الغالي، وجاء انتقامه فظيعاً، ولكن من الإعلام.

قد يكون عون محقاً في هجومه على الإعلام، لأنه في مكان ما اصطف الإعلام في مواجهته، فالإعلام الذي أشاد به أضرّ به، لأن ارتباطه بالمخابرات السورية معروف كما أن اقترابه منه يأتي وفق "أجندة" حزب الله وليس على أساس "أجندة" عون، في حين أن الإعلام الذي وقف في مواجهته، هو الإعلام المتحرر من التحالف الإيراني ـ السوري، الذي كان هو الأساس في صنع الظاهرة العونية، لأن التدقيق في حالة عون تُظهر أن الرجل ليس سوى صناعة إعلامية.
وهكذا أطلّ عون على اللبنانيين، بثوب الخاسر السيئ.

لماذا هذا الكلام اليوم؟

مناسبته هو إطلالة الذكرى السنوية للثالث عشر من تشرين أول 1990، الممكن تكرار مأساتها لبنانياً كل يوم، إذا ما قيس فعلها على ميزان طموحات الرئيس السوري بشار الأسد. أما جوهره، فهو ضمور "التيار الوطني الحر" الى مستوى "حزب البعث العربي الاشتراكي" في لبنان، فتخلي التيار الجماهيري، صاحب الـ70 في المئة من المسيحيين عن إحياء الذكرى بمشهد شعبي لمصلحة مهرجان خطابي ينقل منبر الرابية من مكان الى آخر، لا يستدعي الشماتة مطلقا، لأن خوف عون من امتحان الشعب في مناسبة يُفترض أن توحد الشعب، هو خسارة كبيرة للنهج السيادي في لبنان، وانتصار مدوّ لنهج الوصاية.

وعلى هذا الأساس، لا بد من إعادة المشهد الى بديهيته، ولكن ذلك يقتضي إعادة عون الى مساره، بحيث يعترف بأن تطلعه من الآن فصاعداً الى الرئاسة قبل مرور ست سنوات، يعني نية مبيّتة للقضاء، سياسياً أو جسدياً، على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الأمر الذي لن ينتج، في كلا الحالتين، سوى المآسي، في حين أن التطلع اليها بعد ست سنوات، يعني تكابراً غير مقبول على الطبيعة الإنسانية.

ومن خلال إعلانه قبول خسارة الرئاسة نهائياً، من البديهي أن يلتفت عون، الى مصالحة مع الذات قبل المصالحة مع سياسيين هنا ومع شعب "غدر" به، هناك.

وحينها، يفترض به إعادة تقييم تحالفاته، وبهذا المعنى، ماذا يعمل مع سليمان فرنجية الذي يُقدّم مصلحة "آل الأسد" على مصلحة اللبنانيين جمعاء، وماذا تراه يفعل الى طاولة واحدة مع الياس سكاف، طالما أنه هو يرفض الذهاب الى سوريا الآن، فيما حليفه لا يتردد أن ينتقل مع عائلته بالأصالة والمصاهرة الى أحضان قصر المهاجرين، وكيف تراه سيتعاطى مع "حزب الله" بحيث يكون من عوامل جذبه الى اللبننة بدل أن يتحوّل الى مجرد غطاء ليمعن في تمحوره الإيراني الذي يمكن في لحظة تخلي أن يجلب على لبنان ويلات أين منها ويلات حرب تموز الأخيرة.

وفي حال فعل العماد عون ذلك، فإن المسيحيين في الانتخابات النيابية المقبلة لن يكونوا أمام امتحان ضميري كبير، على قاعدة أن صوتهم سيحدد مصير لبنان، بحيث يمكن أن يتسبب أي انحراف عاطفي أو عشائري أو سياسي أو عقائدي في دفع لبنان الى هاوية الوصاية من جديد والى كارثة تطبيع الدولة مع مفهوم الجبهة البديلة، بل سيكونون هم ضمانة الاستقلال من أي انحراف، بحيث يتمكنون بوحدتهم السيادية في العملية الانتخابية، من فرض معادلة في البلاد، تمنع التطرف من هنا وتحمي الحدود من هناك وتُثبّت معادلة القرار الحر، من هنالك.

هل يفعلها عون؟

تجربة 13 تشرين أول 1990 تقول إن عون "خاسر سيئ" فهو إما يربح كل شيء وإما يترك لعدوه كل شيء.
ولكن مشهد الاحتفال الخطابي وفق الرمزية البعثية، الناجم عن خوف من الامتحان الشعبي، يمكن أن يفتح كوة أمل في دائرة اليأس المغلقة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل