#adsense

اللعب مع الشيطان

حجم الخط

اللعب مع الشيطان

لا تعجبنّ بدنيا أنت تاركها
كم نالها من ملوك ثم قد ذهبوا
(الفرزدق)

فاوستوس
أسطورة "فاوستوس" ظهرت في القرن السادس عشر في ألمانيا وكان بطلها طبيب قيل انه أقام عهداً مع الشيطان ليكون حليفه في الأرض مقابل أن يتزود الطبيب بالمعرفة والعلم وهما من مصادر السلطة.

ولكن شاعر ألمانيا الأعظم "غوته" خلد هذه الأقصوصة الشعبية في ملحمة شعرية صارت إحدى درر الأدب العالمي حيث صور الدكتور "فاوستوس" بأنه رجل طموح وقلق ورافض للخضوع للحدود الإنسانية، فما كان منه إلا أن عقد اتفاقاً مع أحد الأبالسة واسمه "مفيستوفيليس" بحيث يأخذ الشيطان روحه بعد الموت مقابل أن يكون خادمه في الحياة ليعطي له سلطة أعلى من كل أقرانه.

بالنتيجة، وعلى الرغم من كل الأهداف "النبيلة" التي وضعها "فاوستوس"، فقد سارت الأمور على "طريقة" الشيطان، فسقط العديد من الضحايا على الطريق لأن "الغاية تبرر الوسيلة".
يقال إن أدباء ألمانيا كانوا ملهمي هتلر في مساره الكارثي الذي أدى إلى دمار العالم وخسارة خمس وخمسين مليوناً من الأرواح البشرية.

أبو القعقاع

قليلون من المواطنين يعرفون اسم أبي القعقاع، ولكن العارفين بالشؤون الإسلامية في شمالي لبنان يذكرونه تماماً، وحتى إن معظمهم تواصل معه بشكل لصيق بعيد احتلال العراق عندما كان يجول على جوامع عكار وطرابلس داعياً أبناء المنطقة للجهاد في العراق. وحسب علمي، فإن العشرات استجابوا لدعوته وكثير منهم استشهد أو فقد هناك، إن على طريق الذهاب أو في طريق العودة كضحايا لبورصة العلاقات المخابراتية السورية ـ الأميركية.

وأبو القعقاع هو الدكتور محمود بن كول أغاسي، شاب في الثلاثينات من العمر، تخرج من كلية الشريعة في دمشق ونال الدكتوراه من جامعة كراتشي في باكستان.

عرف مبكراً بالتزامه الإسلامي وبحماسته بطرح قواعد الجهاد الإسلامية لمواجهة "الهجمة الغربية على المسلمين". كالعادة، كان تحت مراقبة أجهزة المخابرات السورية إلى أن تم تجنيده بعيد الاحتلال الأميركي للعراق وربما قبل ذلك.

وكان صلة وصله فرع حلب للمخابرات حيث كان يمارس نشاطه في المدينة بشكل مركزي كخطيب في الجامع وناشط مقنع ومفوه، وقد عرف بكاريزميّته الآسرة للجموع.

من حلب انطلق أبو القعقاع في حملة التجنيد "للجهاد" في العراق تحت شعارات مشابهة للطروحات القاعدية، وقد عرف شمال لبنان نشاطاً لافتاً لهذا الداعية حيث كان يقوم بجولات دعوية وخطب دفعت العشرات من أبناء المنطقة للتوجه إلى العراق عن طريق سوريا طبعاً. وبالمنطق نفسه تم استدراج المئات، وتتحدث التقارير عن آلاف عدة من الجهاديين من مختلف الدول العربية، وكان للسعوديين بطبيعة الحال الحصة الكبرى بالمشاركة في مفاعيل دعوة أبي القعقاع.

بازار المخابرات

وكالعادة، فقد دخل هؤلاء الجهاديون في بازار سياسة الغزل الشيطاني بين النظام السوري والإدارة الأميركية إلى أن وصلت المسألة إلى صدور القرار 1559 ومن بعدها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
لقد أدت هذه الجريمة والاتهام المنطقي للنظام السوري بها، إلى عملية تراجع في حالة شبه كارثية للسياسة السورية حين حصل الانسحاب الكامل للجيش السوري في 26 نيسان 2005 بعيد ثورة الأرز في 14 آذار، في حدث كان حتى تصوره يعد من المستحيلات.

وفي محاولات متكررة للتملص من تداعيات التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدأ الحكم في سوريا سلسلة من التقديمات المجانية للإدارة الأميركية في موضوع ضبط الحدود مع العراق، ويقال أن أبا القعقاع كان قد ذكر بالاسم من قبل المخابرات الأميركية مما دفع المخابرات السورية إلى وقف نشاطه العلني في "التطويع" للجهاد وإن لم يتوقف نشاطه الدعوي العام حيث صار عنده عدد كبير من الأتباع والمريدين، خصوصاً في حلب.

لم تطل فترة السكون السوري، فقد تم تحريك المجموعات النائمة التي زرعت على مدى سنوات الاحتلال للبنان، فبدأت حملات الاغتيالات والتفجيرات المعروفة في استهداف مركز لشخصيات الحركة الاستقلالية من صحافيين وقيادات ونواب، بالإضافة إلى تفجيرات ذات نكهة طائفية تركزت في المناطق ذات الأغلبية المسيحية. بالتوازي مع الضغط الأمني المتزايد في لبنان كان هناك بداية استرخاء في الضغط السوري باتجاه العراق، ولكن توقف تدفق المجاهدين إلى هناك أدى إلى تجمعهم بالآلاف في سوريا بما أن الكثير منهم كانوا غير قادرين على العودة إلى أوطانهم، وذلك لأسباب متعددة منها المادية ومنها الأمنية. وقد وردت معلومات من مصادر متعددة تؤكد أن الكثير منهم قد تم اعتقاله في السجون السورية وبعضهم الآخر تم دفعهم للتوجه إلى لبنان.

اللعب مع الشيطان

لا توجد معلومات محددة بخصوص العلاقة التي جمعت أبا القعقاع بشاكر العبسي، قائد مجموعة فتح الإسلام، ولكن العبسي الذي كان معتقلاً في سوريا بخلفية غير واضحة، والمطلوب للسلطات الأردنية في جريمة اغتيال ديبلوماسي أميركي، قد يكون دبر له الاتصال بالداعية الإسلامي في هذه الفترة فتم تجنيده بعدها وتوجيهه إلى لبنان بعيد الخروج السوري. تنقل العبسي بين مخيمات فلسطينية عدة إلى أن استقر به المقام في مخيم نهر البارد، فتسلم مواقع ومخازن الأسلحة التابعة لفتح الانتفاضة (أحد أذرع المخابرات السورية)، وبدأ بعدها تدفق المجاهدين عبر الحدود مع سوريا إلى لبنان ومن مختلف الجنسيات العربية وذلك بتوجيه عن بعد من المخابرات السورية عن طريق أبي القعقاع، خصوصاً بعد سريان شائعات في أوساط المجاهدين عن أن السلطات السورية سوف تعتقلهم أو ترحلهم إلى بلادهم.

وكانت حصلت قبل ذلك حادثة غريبة ومريبة، فقد قامت مجموعة سمّت نفسها "غرباء الشام" بمحاولة احتلال مبنى قريب من التلفزيون السوري في آذار 2006، وبعد أن قضت عليها قوات الأمن أعلن وجود أسطوانات مدمجة فيها خطب حماسية لأبي القعقاع يظهر فيها تحت شعار هذه المجموعة.

المريب في القضية أن الداعية الحلبي لم يتم اعتقاله، وبقي يمارس عمله الدعوي كالمعتاد وإن كان انقطع عن الظهور لمدة من الزمن. وهذا بالطبع تصرف بعيد كل البعد عن ممارسة أجهزة الأمن السورية، في حالات مشابهة!. والقضية المريبة الأخرى واقع أن أبا القعقاع كان مسموحاً له القيام بدعوته وبخطاباته الجهادية تحت رقابة وبحضور العشرات من كبار الضباط، كما أن المسألة تطورت إلى القيام باستعراضات شبه عسكرية وتمارين رياضية من دون أن يكون هناك مجرد تساؤل من قبل السلطات الشديدة الريبة عادة، في حالات أقل إثارة للانتباه.

كان الآلاف من أتباعه يرتدون ملابس موحدة شبه عسكرية، ولكن بعد المواقف المتضاربة التي أصدرها في تشجيعه المطلق للجهاد وللعنف في البداية، ومن بعدها بدأ ينصح من استدرجهم إلى سوريا من مجاهدين بالعودة إلى بلادهم ونبذ العنف، اتهمه عدد من أتباعه بالارتباط بالمخابرات السورية وبتقديمه المعلومات لها لتعقب ومراقبة وتوجيه المقاتلين العالقين في سوريا.

في وقت لاحق انتقل أبو القعقاع من حيّه الشعبي إلى حيّ في حلب الجديدة حيث تخلى عن لحيته الطويلة وزيّه الأفغاني، وصار خطيباً في مسجد الإيمان حيث قتل بأربع رصاصات نهار الجمعة في 28/9/2007.
بالطبع فقد تم اتهام الصهيونية والإمبريالية باغتياله، ولم يصدر أي تقرير رسمي بعدها على الرغم من أن القاتل قد اعتقل وتسلمته "السلطات الرسمية".

انفجار دمشق

منذ أيام انفجرت عبوة كبيرة في أحد شوارع دمشق، وككلّ اللاعبين مع الشيطان، فلائحة المتهمين قد تكون بلا نهاية: من أتباع أبي القعقاع، إلى مجاهدين محبطين وعالقين في سوريا، أو أحفاد من ذبحتهم المخابرات السورية على مدى سنوات الحكم العظيم لآل الأسد، أو المخابرات الإيرانية رداً على اغتيال عماد مغنية، أو الصهيونية والإمبريالية كما كان في أيام الحرب الباردة، أو قد يكون جزءاً من سلسلة عمليات الصراع على السلطة، أو تصفية أبطال المحكمة الدولية القادمة، أو ربما محاولة يائسة من النظام السوري للتأكيد على شراكة النظام مع الغرب في مواجهة الإرهاب.

كلها احتمالات منطقية، ولكن عند "جهينة الخبر اليقين"، وجهينة هنا نفس النظام الذي باع نفسه للشيطان في سبيل البقاء بعد أن تسلق إلى السلطة في سلسلة من الخيانات الدموية بين الرفاق منذ سنة 1963 إلى سنة 1970.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل