التطمينات لا تُلغي المخاوف.. ولا تُعفي الدولة من مسؤولياتها
الحشود السورية ورقصة الحاوي مع الثعبان
خلال فترة قصيرة لا تتعدى الاسابيع الثلاثة، وعلى نحو ملفت ومثير وملتبس، كرّر الرئيس السوري بشار الأسد القول إن نظام بلاده متخوف على أمنه القومي مما يعتبره تطرفاً سلفياً في الشمال، وهو كان قبل ذلك أول من "تنبأ" في العام 2006 وعلى نحو مفاجئ أيضاً، بوصول "القاعدة" الى لبنان، وسرعان ما غرق هذا البلد وشماله آنذاك بحرب غادرة على الجيش من قبل جماعة "فتح الإسلام" بزعامة شاكر العبسي الذي تتقاطع المعلومات على تأكيد وجوده حالياً في أحد المعتقلات في سوريا!
ففي 4 أيلول الفائت، وخلال القمة الرباعية في دمشق والتي جمعته بقادة فرنسا وقطر وتركيا، وقبلها في 13 آب خلال القمة السورية ـ اللبنانية، استحضر الأسد "فزاعة" التطرف، واصفاً الوضع في لبنان بأنه "هشّ"، ليعلن في 29 أيلول وبالتزامن مع تفجير ارهابي ثان استهدف عسكريين في طرابلس، وبدل مواساة المدينة وناسها، ان الشمال "بات يشكل قاعدة حقيقية للتطرف تشكل خطراً على سوريا".
وقبل هذه التواريخ وبعدها كرّر الاسد امام زواره اللبنانيين من رموز مرحلة الوصاية ان ثمة رهاناً سورياً على الانتخابات النيابية لقلب المشهد السياسي الداخلي، ليعودوا بدورهم ويعملوا على "ضخ" انطباعات ومعطيات وتقديرات تمهد لمرحلة تستعيد "الماضي" وتروج لعودة النفوذ السوري.. وهكذا وسط هذه الصورة، سرعان ما استُنفرت الوحدات الخاصة، ونُصبت الخيم، وحُفرت الخنادق ونُشر السلاح الثقيل قبالة الحدود مع الشمال.
كتبة التقارير جددوا محابرهم
واذا كان الجانب السوري يحرص على حصر اجراءاته المستجدة بمنع التهريب وضبط الحدود "بما يتلائم مع مندرجات القرار 1701"، فان على الجانب اللبناني من لا يزال يرسم علامات استفهام حول الخطوة السورية توقيتاً وأهدافاً وغايات، وبالرغم من البيانات الرسمية اللبنانية المقتضبة عن علم مسبق بما يجري، فان تزامنها، بحسب هؤلاء، مع لحظة انشغال اقليمي ودولي بجملة أولويات لا يبدو الشأن اللبناني من بينها، يحمل دلالات تتعدى الاطار المعلن، لا بل تضعها في اطار "مسلسل ترهيب لبنان" المستمر من العام 2005 الى اليوم، أي بأفق الضغط على الحوار الوطني وعلى الانتخابات النيابية المقبلة.
وما يعزز المخاوف اللبنانية، انه وتحت ستار "القلق الأمني" قد يسعى النظام السوري الى النفاذ مجدداً الى الشأن اللبناني. واذا كان ثمة ما يشبه الإجماع على استبعاد "الدخول" العسكري فان احتمالات "التدخل" للتخريب قائمة، فيما تقول أوساط سياسية متابعة ان ما يبرّر هذه الهواجس هو تزامن كلام الرئيس الأسد مع طلب دمشق تنسيقاً أمنياً مع لبنان قبل ان يستكمل البلدان الاطار الرسمي للعلاقات الديبلوماسية التي تقطع الطريق على عودة الاستخبارات السورية من شباك "التنسيق" بعدما خرجت من باب رفض الوصاية.
هذه الأوساط تعتبر ان تجدد استقبال الرئيس الأسد، علانية، لكتبة التقارير الاستخبارية من بعض الذين لعبوا أدواراً سياسية في مرحلة الوصاية لا يخفي رغبة دمشق بتأكيد استمرار نفوذها على اطراف في الداخل اللبناني. ففي وقت يجري الإعداد لتبادل السفارات، اي وضع العلاقات على سكة الندية واحترام السيادة، تصر سوريا على استعادة نزعتها القديمة في العلاقة مع الأفراد والتنظيمات. بمعنى انها لم تخرج من العقلية إياها. عقلية اللعب على تناقضات المجتمع والطوائف في حنين الى زمن ما قبل نيسان 2005.
رقصة الحاوي مع الثعبان
في المخاوف أيضاً، هناك من يرى ان تزامن تفجير طرابلس الأخير مع انفجار دمشق الذي لا تزال تفاصيله وهوية اهدافه الحقيقية كما منفذيه موضع تساؤل كبير، وتوازي ذلك مع نشر الحشود العسكرية مقابل الحديث عن تطرف و"قاعدة"، انما تستبطن تقديم مسوغات لتدخل سوري عسكري على قاعدة انه ردة فعل مشروعة على ارهاب لا يطال امن سوريا حصراً بل شرائح لبنانية وقوات "اليونيفيل" العاملة بموجب القرار 1701، وفي هذا ما يداعب مشاعر اكثر من جهة. بمعنى ان للخطوة السورية أبعاداً تتصل بتجنب الضغط الدولي على دمشق من خلال تقديم نفسها بمظهر الضحية للارهاب والساعي الى مكافحته.
لكن هذه المقولة مردودة، بحسب هذه الأوساط، من نواح عدة: فانفجار دمشق الذي لم تتبناه "القاعدة" أو أيّ من أذرعها، تعددت الروايات حول حقيقته بين من ينسبه الى صراع اجنحة استخبارية داخل النظام السوري، إذ هل يعقل ان تدخل سيارة محملة بنحو 200 كيلوغرام من المتفجرات الى بلد مثل سوريا وتتجول فيه وترصد هدفاً أمنياً بهذه السهولة؟! أو أنه يأتي في سياق خطة سورية تقضي بتصفية من استدعاهم التحقيق الدولي للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا بل يربط أصحاب هذا الرأي بين ما يجري على الحدود باقتراب موعد بدء عمل المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة، اي أنه بمثابة خطوة استباقية على قاعدة لعل وعسى مقابل تمسك المجتمع الدولي الثابت بالمحكمة.
توازياً، تشير معلومات متقاطعة الى احتمال أن تكون جهات متطرفة وراء انفجار دمشق، اذ باتت على قناعة بأن هذا النظام ساعٍ الى بيعها بعدما استنفد أغراضه منها، بمعنى أن السحر قد انقلب على الساحر وأن "ثعبان" التطرف الذي رعته الأجهزة السورية وصدّرته الى دول الجوار للابتزاز والمساومة قد انقلب على "الحاوي" السوري.
على ان المهم في هذه النقطة هو تأكيد القوى السلفية الرئيسية في لبنان تبرؤها من الارهاب والالتزام بموجبات السلم الاهلي والعيش المشترك وخضوعها للشرعية، وادراكها ان استهداف الجيش شمالاً انما يهدف الى ايجاد شرخ بين السنّة والمؤسسة العسكرية. لكن ذلك لا يمنع اختراق الساحة الشمالية بمسميات اصولية تستخدم كذرائع لتبرير اعمال عسكرية هناك تحت حجة مكافحة الارهاب. وهنا المسؤولية تقع على الجهات السنّية السياسية والدينية كما على الحكومة في استشراف الخطر ومواجهته بخطوات استباقية وتجنب اغراق الساحة بمزيد من التوتير، فاذا كان التطرف "نقطة ضعف" المجتمع الدولي فانه وبلا شك يصيب الداخل اللبناني بمقتل ومواجهته واجب وضرورة.
تحولات المشهد والحسابات الجديدة
واذ تشير هذه الأوساط الى اختلاف كبير في المشهد الدولي والاقليمي بما يجعل منه واقعاً غير مساعد لأي مغامرة سورية جديدة في لبنان، فإنها تعرض جملة اعتبارات عربية ودولية تؤكد هذا التوجه، ومنها:
أولاً: ان واشنطن لا تزال متمسكة بما تعتبره "ثوابت" تحكم علاقتها بلبنان ما بعد ثورة الأرز، وهي دعمه سيّدا حرّاً بعيداً عن اي تدخل خارجي، وأن هذه السياسة "لن تتغير" بصرف النظر عمن سيصل الى البيت الأبيض، وهذه هي فحوى الرسالة التي أبلغها ديفيد هيل من التقاهم من مسؤولين، ومن بينهم من هو معروف بعلاقته "النوعية" مع دمشق.
ثانياً: ان باريس ابلغت وفد قوى 14 آذار ان انفتاحها على سوريا انما هو انفتاح مشروط ولا يتعارض مع الثوابت الفرنسية، التي يعرفها النظام السوري جيداً، أي تأكيد استقلال لبنان وسيادته واستقراره والتمسك بالمحكمة الدولية، وأن هذه الثوابت غير قابلة للمساومة أو الابتزاز.
ثالثاً: ان العرب الكبار لا يزالون على موقفهم من النظام السوري، اي على قطيعتهم معه منذ القمة العربية في شهر آذار الفائت على خلفية الشأن اللبناني، وبالتالي فإن دمشق تعلم ان استهداف شمال لبنان سيُقرأ في بعض وجوهه استهدافاً للسُنة فيه، على ما تقول اوساط سياسية رفيعة، بعدما كانت استخدمت حلفاءها في شهر أيار لهذه الغاية، وهذه الدول لن تقف مكتوفة الأيدي ازاء اي اعتداء من هذا النوع. وبالتالي فلن يكون بمقدور سوريا استخراج جماعات مذهبية للتخريب على غرار احداث ايار. وتؤكد هذه الاوساط ان "حزب الله" بات على قناعة تامة بعدم التورط في أعمال عنف داخلية خدمة للنظام السوري الذي بات يملك اجندة تثير حفيظة الحزب وتجعله يحسب مواقفه بدقة.
فالسوريون ـ بحسب هذه المصادر ـ بقدر خشيتهم من اثارة التوتر السنّي ـ العلوي لطالما راهنوا على الفتنة السنّية ـ الشيعية على قاعدة ان الارباك للساحة اللبنانية من هذا الباب اقل خطراً وتداعيات عليهم من مدخل الفتنة العلوية ـ السنّية.
ستاتيكو قسري بانتظار التغيير
في الخلاصة، تكشف الأوساط السياسية المتابعة انه أمام الانشغال المتعاظم بالأزمة المالية الاميركية ـ التي اصبحت عالمية ـ التي بدلت في اولويات الادارة الاميركية المنشغلة اصلاً بالسباق الى البيت الأبيض، ومع تراجع احتمالات توجيه ضربة عسكرية اميركية أو اسرائيلية لإيران، فإن المنطقة كلها، ومن ضمنها لبنان المرتبطة شؤونه شرطياً بما يجري حوله، محكومة بحالة ستاتيكو قسري في انتظار التغيير الاميركي ووصول ادارة جديدة تعمل على طرح رؤيتها حيال مختلف القضايا في المنطقة بما فيها الملف النووي الايراني والمفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية والسورية ـ الاسرائيلية.
وإزاء هذه الصورة المربكة ـ تقول المصادر ـ فإن على اللبنانيين الصمود في وجه الضغوط وصياغة سياسات قريبة وبعيدة المدى للتعامل مع الاحتمالات كافة، ان على صعيد تحصين الأمن الداخلي عبر اجراءات استباقية تمنع التخريب وتقطع الطريق على مساعي هزّ الاستقرار بما يمرر المرحلة الانتقالية هذه بأقل الخسائر، او على صعيد تكثيف دائرة التواصل مع المجتمعين العربي والدولي لإبقاء الشأن اللبناني في دائرة الاهتمام، مشيرة الى ان قوى 14 آذار بصدد التحضير لزيارات وفود منها الى عدد من الدول بعد زيارة باريس، بهدف تفسير الموقف اللبناني وطلب دعم الثوابت اللبنانية.. وفي إنتظار ذلك، فإن العين على جلسة مجلس الوزراء غداً وما سيصدر عنها في هذا الإطار.