لبنان والسعودية: محطات من تاريخ علاقة
لم تفلح الحملات السياسية والاعلامية المبرمجة في تشويه صورة المملكة العربية السعودية في نظر اللبنانيين الذين يقدرون دورها الايجابي والبناء طوال عقود، مؤكدة وقوفها إلى جانب لبنان في معاناته المتواصلة بفعل التجاذبات الدائمة حول مصيره الوطني.
فوثيقة الوفاق الوطني اللبناني (المعروفة بإسم إتفاق الطائف) هي ثمرة جهد سياسي كبير بذلته المملكة في أواخر الثمانينات للتوصل إلى تسوية عربية- دولية حققت ثلاثة أهداف مركزية لا تزال تشكل عمق المرتكزات الميثاقية اللبنانية، وهي:
أولاً: تثبيت صيغة المشاركة السياسية على قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بمعزل عن النمو الديموغرافي للطوائف والمذاهب. وغني عن القول أن هذه الصيغة تحمي التنوع في لبنان وتؤكد على رفض سيطرة أي فريق على الآخر. ولا شك أن بعض المعلومات التي سربت خلال الاشهر الماضية عما سمي صيغة «المثالثة»، أي توزيع جديد للسلطة في لبنان بما يناقض صيغة المناصفة ومعانيها السياسية، إنما يهدف لضرب هذا الجانب المتنوع في التركيبة اللبنانية المعقدة.
ثانياً: حسم إتفاق الطائف الجدل التاريخي حول هوية لبنان فأكد عروبته بما لا يقبل الشك، وهو البلد العربي الذي دفع أضعاف الاثمان التي دفعها سواه في سبيل القضية الفلسطينية وهي القضية العربية المركزية، من دون أن يعني الانتماء العربي أن يكون لبنان ساحة الصراع الوحيدة المفتوحة. إن إلتزام لبنان بالقضايا العربية ليس محل تساؤل، ولبنان القوي المحصن هو خير داعم لهذه القضايا، بينما لبنان الضعيف هو عالة على القضايا العربية. وهذا ما دفع ربما بعض الاطراف الاقليمية على الاستمرار في التدخل في شؤونه الداخلية لتطويعه بما يتناسب مع مصالحها، ولو أنها إستخدمت التعابير القومية والعربية كشعارات لم تطبق سوى عكسها!
ثالثاً: حسم إتفاق الطائف الجدل التاريخي حول نهائية لبنان ككيان مستقل، فكان الاجماع اللبناني على هذا الموضوع. ولا بد من الانتهاء من هذا النقاش لأن لبنان قائم بذاته، ولأن إستمرار التشكيك بنهائية الكيان مسألة غير مفهومة وفق أي معيار من معايير نشوء الدول. فلماذا على لبنان أن يستمر في إثبات وجوده كدولة مستقلة؟
هذه بعض المحطات التي تعكس عمق العلاقات اللبنانية- السعودية والتي تدل الى حرص المملكة التمسك بالصيغة اللبنانية القائمة وتطويرها في الاتجاه الذي يثبت الاستقرار الوطني.
ومحاولات بعض الاطراف وضع المملكة في مواقع مماثلة ومساوية للاعبين إقليميين آخرين في لبنان لا يرتكز الى الحد الادنى من المنطق، لأن السعودية ببساطة لم تتدخل في الحرب اللبنانية إلا لإنقاذ لبنان من التراجع الاقتصادي والتدهور المالي ولإعانته على النهوض، وهي كرست دعمها في هذا المجال حصراً من خلال القنوات الرسمية اللبنانية أي عبر الحكومة اللبنانية ولا تزال تفعل ذلك الى اليوم، فيما هناك أطراف ودول أخرى تفتح قنوات إتصال مباشرة مع قوى لبنانية وتمدها بالسلاح والمال لتنفيذ مشاريع خاصة تقف على طرف نقيض مع مشروع الدولة.
وعلى رغم الموقف المتحفظ الذي أبدته السعودية بعد إندلاع حرب تموز (يوليو) 2006 لحرصها على عدم تكرار المآسي في لبنان، إلا أنها لم تتأخر في إعادة إعمار مجموعة كبيرة من القرى التي تهدمت بفعل العدوان الاسرائيلي الهمجي الذي أتى على البشر والحجر.
ولم تتوان عن دعم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل الشهداء الآخرين الذين سقطوا بفعل الاجرام السياسي المتمادي الذي طاول قيادات سياسية واعلامية وفكرية لبنانية نادت بالاستقلال والسيادة والحرية والديموقراطية.
هذه بعض المحطات من مسيرة المملكة العربية السعودية إلى جانب لبنان الذي لا يزال يحتاج إلى كل دعم لإنجاز مسيرة المصالحة الوطنية وتكريس السلم الأهلي وتعزيز الوحدة الوطنية وتثبيت الاستقلال والسيادة والحرية.