#adsense

هدف الأسد علاقة وحدوية أمنية سورية–لبنانية تشرع لدور عسكري مباشر في لبنان

حجم الخط

هدف الأسد علاقة وحدوية أمنية سورية–لبنانية تشرع لدور عسكري مباشر في لبنان
تحذير دولي: سوريا قاعدة للجهاديين ولا خطر لبنانياً عليها

"هدف نظام الرئيس بشار الاسد الكبير في هذه المرحلة اقامة علاقة وحدوية أمنية بين سوريا ولبنان، وليس مجرد تنسيق أمني بين دولتين مستقلتين بحيث تكون هذه العلاقة خارج اشراف الأمم المتحدة ورقابة أي جهة دولية وتؤدي الى اعطاء شرعية لدور عسكري – أمني سوري مباشر في هذا البلد للمرة الاولى منذ الانسحاب السوري منه في نيسان 2005. ويحاول الرئيس الاسد استغلال تقاربه مع فرنسا واتصالاته المتجددة مع الاميركيين ومفاوضاته غير المباشرة مع اسرائيل وعلاقاته القوية مع تركيا وقطر من اجل تحقيق هذا الهدف الكبير، كما أنه يمارس ضغوطا عسكرية وسياسية ونفسية على اللبنانيين للحصول على ما يريد عبر حشده آلاف الجنود على الحدود بين البلدين وتحذيره من ان شمال لبنان بات قاعدة حقيقية للتطرف تشكل خطرا على سوريا".

هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية وعربية وثيقة الاطلاع في باريس استنادا الى معلومات حصلت عليها من دمشق وبيروت وعواصم أخرى، وأوضحت ان الحرب الامنية – السياسية – النفسية التي يخوضها نظام الاسد حاليا ضد لبنان تهدف، كذلك، الى تقليص الحماية الدولية والعربية للبنان المستقل واثارة ما يسميه "خطر التطرف الاسلامي" في هذا البلد لمحاولة تأمين دعم دولي – اقليمي له، كما تهدف الى ابقاء اللبنانيين في حال من القلق والتوتر وتعميق التفرقة بينهم، وتحويل الانظار عن مشكلة سلاح "حزب الله" وارساله أسلحة الى هذا الحزب واحباط أي جهود داخلية مدعومة عربيا ودوليا للتفاهم في مؤتمر الحوار الوطني على استراتيجية دفاعية جديدة تشمل وضع سلاح الحزب في تصرف الجيش وتخلي الحزب عن قرار الحرب لمصلحة الدولة.

وأكدت هذه المصادر الاوروبية والعربية ان ثمة حقائق ووقائع أساسية يجب التركيز عليها لتبديد الهواجس والاوهام حول المواقف والتصرفات السورية الاخيرة، وأبرزها الحقائق والوقائع الآتية:

أولا، ان سائر الدول العربية والاجنبية المعنية بالامر، وفي مقدمها اميركا وفرنسا، على اقتناع تام بعدم وجود أي تهديد أمني لبناني جدي وحقيقي لسوريا يتطلب تدخلا عسكريا سوريا في لبنان، فالضربات التي تلقتها سوريا في الاشهر الماضية ناتجة من عمليات عسكرية وأمنية اسرائيلية او عن صراعات داخلية وليس عن هجمات لبنانية. واذا كان الاسد يملك فعلا معلومات دقيقة ومحددة عن وجود شبكات متطرفة تنتظر في لبنان وتعد لتنفيذ عمليات ارهابية داخل سوريا فيجب أن ينقل هذه المعلومات فورا الى الرئيس ميشال سليمان لاتخاذ الاجراءات الامنية اللبنانية اللازمة، ويجب ان يرافق ذلك ضبط جدي للحدود بين البلدين وهو ما لم يحدث حتى الآن. ولكن في المقابل ثمة مشكلة معقدة وخطرة بين لبنان وسوريا ناتجة من نقمة الاسد على الاستقلاليين اللبنانيين ورفضه تقبل الواقع الاستقلالي السيادي اللبناني.

ثانيا، تملك سائر الدول العربية والاجنبية المعنية بالامر معلومات ووثائق دقيقة ومفصلة تؤكد ان سوريا تحولت خلال السنوات الخمس الماضية قاعدة آمنة لمئات الجهاديين الاسلاميين المتشددين الذين يأتون اليها من دول عدة ويحصلون على المأوى والدعم والتدريب قبل الانتقال الى العراق ولبنان ودول عربية اخرى لتنفيذ عمليات ارهابية وتخريبية فيها. كما ان هذه الدول تملك معلومات اكيدة تكشف ان أحد أجهزة الاستخبارات السورية دعم بوسائل مختلفة تنظيم "فتح الاسلام" الارهابي بزعامة شاكر العبسي وساعده على السيطرة على مخيم نهر البارد مما أدى الى تحويل هذا المخيم قاعدة انطلاق لعمليات ارهابية ضد الجيش اللبناني ومنشآت حيوية عدة. وقد تمكن الجيش بعد أسابيع من القتال الشرس من القضاء على تنظيم "فتح الاسلام" الصيف الماضي وانقاذ لبنان من اخطاره بعدما حصل على دعم قوي من حكومة فؤاد السنيورة ومن القيادات الاستقلالية ومن دول عربية وأجنبية عدة بينما عارض حلفاء دمشق اقتحام الجيش هذا المخيم.

ضعف النظام السوري

ثالثا، لن يستطيع الرئيس الاسد اقناع أي دولة بارزة ومؤثرة بأن نظامه يمكن ان يكون مصدر استقرار وأمان وطمأنينة للبنانيين بسبب أعماله وممارساته المختلفة ولأنه متحالف مع ايران الساعية الى امتلاك السلاح النووي والى الهيمنة على المنطقة ولأنه متحالف ايضا مع القوى اللبنانية والعربية الاكثر تشددا، ولأنه يؤمن وصول الاسلحة وآلاف الصواريخ والقذائف الى "حزب الله" وتنظيمات فلسطينية مرتبطة بدمشق، ولأنه مصمم على استخدام لبنان ساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل واميركا ودول اخرى لتحقيق مصالحه ومصالح الايرانيين.

رابعا، لم يقدم نظام الاسد الى اي دولة عربية او اجنبية ملفا كاملا يتضمن معلومات محددة ودقيقة تكشف ان شمال لبنان اصبح "افغانستان اخرى"، اي مصدر خطر جدي على سوريا، وتكشف ان هذه المنطقة تأوي اعدادا كبيرة من المتطرفين والمتشددين الاسلاميين المسلحين والمصممين على تنفيذ عمليات ارهابية داخل الاراضي السورية. ولو كان الاسد يملك معلومات كهذه لكان أطلع دولا عدة عليها. والملاحظ في هذا المجال ان حلفاء دمشق هم الذين استخدموا السلاح والعنف في بيروت والشمال ومناطق اخرى وليس الاستقلاليون الذين اضطروا الى الدفاع عن انفسهم لا اكثر.
خامسا، يحاول نظام الاسد الايحاء لحلفائه اللبنانيين انه قوي في هذه المرحلة ويستطيع ان يفعل ما يشاء في لبنان. لكن الواقع هو نقيض ذلك تماما، اذ إن هذا النظام لم يحصل ولن يحصل على اي تفويض عربي او دولي لإرسال قواته الى شمال لبنان للقضاء على "المتطرفين الخطرين" هناك بل انه تلقى تحذيرات رسمية اميركية وفرنسية ودولية واضحة تؤكد انه سيتم اتخاذ اجراءات دولية قاسية ضده في حال تدخل عسكريا او امنيا في لبنان تحت اي ذريعة. كما ان النظام السوري اضعف سياسيا وديبلوماسيا من ان يتحدى المجتمع الدولي ومجلس الامن ويقوم بعملية عسكرية في شمال لبنان، لان عملية كهذه تشكل انتهاكا فاضحا لقرارات مجلس الامن الخاصة بلبنان وتهدد السلم الاهلي في هذا البلد وتقضي على كل جهود سوريا لتحسين علاقاتها مع فرنسا والدول الغربية.

إحياء المعاهدة الوحدوية

واكدت المصادر الاوروبية العربية المطلعة لصحيفة "النهار" على تطورات هذه القضية ان تهديدات الاسد الاخيرة وحشوده العسكرية هي في الواقع "حرب اوهام وظلال" وبمثابة "ستار دخان" لمحاولة اخفاء الهدف الكبير الذي يريد النظام السوري تحقيقه وهو احياء العلاقة الوحدوية الامنية مع لبنان.
وكشفت المصادر الحقائق الآتية المتعلقة بهذه القضية المهمة:

اولا، وضع النظام السوري مشروعا متكاملا جديدا لتحقيق التعاون العسكري والامني والاستخباراتي العميق مع لبنان ويستند هذا المشروع الى "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق" الموقعة في ايار 1991 والتي ادت الى انشاء علاقة وحدوية بين لبنان وسوريا. ويتمسك الرئيس الاسد بهذه المعاهدة وبكل ما تتضمنه، ويرى انها لا تزال سارية المفعول اذ لم يتم الغاؤها رسميا وان يكن تم تجميد العمل بها بعد الانسحاب السوري من لبنان. ويريد الاسد تحديدا احياء العمل بالمادتين الثالثة والسادسة من هذه المعاهدة، اذ تنص المادة الثالثة حرفيا على "ان الترابط بين امن البلدين يقتضي عدم جعل لبنان مصدر تهديد لامن سوريا وسوريا لامن لبنان في اي حال من الاحوال، وعليه فان لبنان لا يسمح بان يكون ممرا او مستقرا "لاي قوة او دولة او تنظيم يستهدف المساس بأمنه او امن سوريا، وان سوريا، الحريصة على امن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق ابنائه، لا تسمح باي عمل يهدد امنه واستقلاله وسيادته". كما تنص المادة السادسة من هذه المعاهدة على تشكيل لجنة شؤون الدفاع والامن من وزيري الدفاع والداخلية في لبنان وسوريا، وتؤكد ان هذه اللجنة "تختص بدرس الوسائل الكفيلة بالحفاظ على امن الدولتين واقتراح التدابير المشتركة للوقوف في وجه اي عدوان او تهديد لامنهما القومي او اي اضطرابات تخل بالامن الداخلي لأي من الدولتين". ووفقا للمادة السادسة من المعاهدة "يجب ان تعرض كل الخطط والتوصيات التي تعدها لجنة شؤون الدفاع والامن على المجلس الاعلى السوري – اللبناني لاقرارها. ويضم هذا المجلس خصوصا رئيس الجمهورية ورئيسي الحكومة ورئيسي مجلسي النواب في لبنان وسوريا.

ثانياً، يريد الاسد انهاء الحماية الدولية المدعومة عربياً للبنان المستقل والسيد، ووقف اشراف الامم المتحدة وجهات دولية اخرى على مسار الاوضاع في الساحة اللبنانية وعلى مجرى العلاقات السورية – اللبنانية لان ذلك كله يحد من قدرة الاسد على التدخل في شؤون هذا البلد واعادة ربطه بسوريا. ومن اجل تحقيق هذا الهدف يرغب الاسد في توقيع اتفاق امني – دفاعي بين لبنان وسوريا يتضمن خصوصاً اعادة تشكيل لجنة مشتركة سورية – لبنانية لشؤون الامن والدفاع تضم وزيري الدفاع والداخلية في البلدين ومسؤولين عسكريين وامنيين. كما يتضمن اقتراحاً بانشاء اجهزة مشتركة عسكرية واستخباراتية وامنية سورية – لبنانية لتكريس التعاون بين البلدين، واقتراحاً آخر بوجود مسؤولين عسكريين وامنيين سوريين في لبنان، وبتنفيذ دوريات عسكرية مشتركة لتنفيذ المهمات المطلوبة. وعلى الصعيد الواقعي والعملي فإن هذه المطالب القصوى والمتشددة تهدف الى اعطاء "شرعية لبنانية" لعمليات عسكرية وامنية سورية ضد خصوم نظام الاسد، كما تهدف الى "اعادة الاعتبار" الى الدور العسكري والامني السوري في لبنان والذي انهته قرارات عدة صادرة عن مجلس الامن بعد الانتفاضة الشعبية اللبنانية على الهيمنة السورية. وتهدف هذه المطالب ايضاً الى منح النظام السوري سلطات واسعة تتيح له مجدداً التغلغل في المؤسسات العسكرية والامنية اللبنانية والتدخل في مختلف جوانب الحياة اللبنانية، السياسية والاعلامية والاقتصادية وغيرها، بذريعة حماية امن سوريا ولبنان.

ثالثاً، ترفض سائر الدول العربية والاجنبية المعنية بمصير لبنان، وفي مقدمها مصر والسعودية وغالبية الدول العربية واميركا وفرنسا، الموافقة على اي مطالب سورية تؤدي الى تدخل نظام الاسد مباشرة وبشكل سافر في شؤون لبنان، والى محاولة فرض هيمنته مجدداً على هذا البلد تحت اي ذريعة من الذرائع.

رابعاً، الحكم اللبناني مستعد لإقامة تنسيق امني مع سوريا على اساس الاحترام المتبادل لاستقبال البلدين ومن اجل تأمين مصالحها ومطالبهما المشروعة وليس من اجل تأمين مصالح النظام السوري وحده. لذلك فإن الحكم اللبناني يرفض احياء العلاقة الوحدوية الامنية – العسكرية مع سوريا لان مثل هذه العلاقة تشكل انتهاكاً صريحاً لاستقلال لبنان وسيادته، ولانها تتعارض مع تطلعات وطموحات الغالبية العظمى من اللبنانيين.

وقد اكد لنا مسؤول عربي بارز "ان التعاون الامني السوري – اللبناني الوثيق انهار فعلاً وفقد كل مبرراته اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في ظل هذا التعاون. وليس ممكناً احياؤه بين بلدين مستقلين وخصوصاً ان لجنة التحقيق الدولية تملك معلومات وادلة على تورط مسؤولين امنيين بارزين لبنانيين وسوريين في جريمة اغتيال الحريري سيتم الكشف عنها قريباً امام المحكمة الدولية.

بقلم عبد الكريم أبو النصر

المصدر:
النهار

خبر عاجل