بيانُ اجتماع "الرابطة" أكد على "فضّ الإشتباك" بين "القوات" و"المردة".. وفرنجية يُقحم عون في ما لا دخلَ له فيه
خطّة مسيحيي سوريا: "إقتناص" موقع للجنرال والتجييش ضدّ مسلمي 14 آذار
قبل أسبوع تماماً، صدرَ عن إجتماع النواب الموارنة مع "الرابطة المارونية" بيانٌ إتّسم بالدقة السياسية بشأن موضوع المصالحة المسيحية.
"مصالحة فضّ الإشتباك" ثنائية
ميّز البيانُ بينَ "مفهومَين" للمصالحة. الأول هو مفهوم "فضّ الإشتباك" بين طرفين أو اكثر و"إزالة التوتر" الأمني. والثاني هو مفهوم "التوافق السياسيّ" أي تحقيق تفاهم يؤسس لإنهاء التناقضات السياسية بين مجموعة من الأطراف.
إعتبر المجتمعون في مقرّ "الرابطة" أنّ "المفهوم" الأول أي "فضّ الإشتباك" يتعلّق بطرفَين على الساحة المسيحية هما "القوات اللبنانية" وسليمان فرنجية و"مردته". فدعوا الى إتمام "مصالحة فضّ الإشتباك" بينهما.
والحال هنا أنّ "فضّ الإشتباك" بين "القوات" و"المردة" يتّصل بأحداث دامية وقعت بين الجانبين في السنوات الثلاث الماضية وآخرها الإشتباك في بصرما ـ الكورة الشهر الماضي. أي ان عملية "فضّ الإشتباك" تتصل بأحداث "راهنة" و"قائمة" و"لم يمضِ عليها الزمن"، ولا تتعلق "آلياً"، أو "عضوياً" بـ"مجزرة إهدن" العام 1978.
وعندما يُقال "فضّ الإشتباك"، فإن المقصود إتفاق الجانبين على "تنظيم الخلاف" بينهما، خصوصاً في مناطق التواجد المشترك أو "الإحتكاك المباشر" وليس مقصوداً وقف تحرّك القضاء في الحوادث التي حصلت سابقاً ووقف الملاحقات ووقف الأحكام العدلية. وهذا على كلّ حال ما أكد عليه الطرفان.
"مجزرة إهدن": موقع آخر
أما "مجزرة إهدن"، فإنّ لها "حكماً" أو "موقعاً" آخر. صحيحٌ أن المجزرة تمثل "العقدة التاريخية" في "العلاقة" بين "القوات" وآل فرنجية، غير أنّ الصحيح ايضاً هو أنّ النائب السابق سليمان فرنجية يعرف مَن قتلَ والدَه الراحل طوني ووالدته وشقيقته، ويعرف أن لا علاقة لسمير جعجع بجريمة الإبادة الوحشية هذه، وهو يعرف لماذا أجبر نفسه على عدم المتابعة القضائية لهذا الموضوع طيلة العقود السابقة. وبهذا المعنى، فإنّ "مصالحة فضّ الإشتباك" معنيةٌ بأن تضع "مجزرة إهدن" في نصابها، أي بطي صفحتها من أجل عدم تمييز "العلاقة" بين "القوات" و"المردة" بهذه الصفحة السوداء. وقد يكون مفيداً الإتفاق بين الجانبين على إستئناف متابعتها قضائيا أي على تجديد متابعتها قضائيا لجلائها.
إذاً، على قاعدة "المفهوم" الأول أي "فضّ الإشتباك"، فإن المنطق يفترض أن تكون "مصالحة فضّ الإشتباك" ثنائية في إطار لقاء ثنائي بين رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات" سمير جعجع والنائب السابق فرنجية، وتكون "الرعاية" للقاء ثنائيّ.
"مصالحة التوافق السياسي" لها سقوف وشروط
أمّا "المفهوم" الثاني للمصالحة، أي المفهوم الأعمق، فهوَ "التوافق السياسيّ". وهنا، كان البيان الصادر عن الإجتماع في مقرّ "الرابطة" واضحاً جداً. فقد وضعَ البيان "مصالحة التوافق السياسيّ" تحت سقف "مقوّمات سيادة لبنان وحريته وإستقلاله وإحترام مؤسساته ونظامه الديموقراطي"، وأكد ان "اي مصالحة تقوم على اساس الإعتراف بثوابت الكنيسة المارونية (..) والإلتفاف حول مقام البطريرك الذي أعطي له مجد لبنان (..) والإلتفاف حول مقام رئاسة الجمهورية".
وبديهيّ ان "مصالحة التوافق السياسيّ" إذا كان لها أن تتمّ، هي مصالحة متعدّدة الأطراف، وعلى أساس "السقوف" المحددة في البيان. وللتذكير، فإن "ثوابت الكنيسة" التي أشار اليها البيان بصفتها مرجعية مسيحية هي مبادئ إتفاق الطائف وقيام الدولة وسيادتها وتحييد لبنان عن المحاور الاقليمية في إطار التمسّك بقرارات الشرعية الدولية، وذلك تمسكاً بنهائية الكيان وبالعيش المشترك.
إنطلاقا من المقدّمات الآنفة جميعاً، وبعدَ بيان الأسبوع الماضي، يفترضُ ان يحصلَ لقاء ثنائيّ بين جعجع وفرنجية يليه إجتماع مسيحي موسّع. اللقاء الثنائي لـ"تنقية" العلاقة بين "القوات" و"المردة" والإتفاق على "قواعد الإشتباك" السياسي. والإجتماع الموسّع للإتفاق على "ميثاق شرف" يحدد قواعد إدارة الخلاف والصراع السياسيين. وذلك بما أنّ إجتماعا لتحقيق "مصالحة التوافق السياسيّ" غير وارد في ظلّ التناقض الحادّ بين مشروع 14 آذار ومشروع 8 آذار.
فرنجية يرفض اللقاء الثنائي
بيدَ أنّ شيئاً لم يحصل طوال الأسبوع المنصرم، بل لا يخفى أنّ "مشروع المصالحة المسيحية" تراجعَ في الأيام الماضية.
كانَ واضحاً جداً أنّ سليمان فرنجيّة يرفض "مصالحة فضّ الاشتباك" برفضه عقد لقاء ثنائيّ مع الدكتور جعجع. في وسع النائب السابق أن يرفضَ لقاءً ثنائياً ليطرحَ بدلاً منه لقاء موسّعاً هدفه تنظيم قواعد الصراع السياسيّ على الساحة المسيحية. لكنّه لا يفعل، مكتفيا بالإصرار على حضور الجنرال ميشال عون اللقاء بينه وبينَ جعجع. لماذا؟.
"التسلّط" على موقع مرجعيّ لعون
فأن يحضرَ الجنرال لقاءً لا دخلَ له في جدول أعماله وفي وظيفته بينَ جانبين "مشتبكين"، معناه إعطاء موقع للجنرال ليس له ولا يستحقّه. فهو ليسَ فريقاً محايداً بين "القوّات" وسليمان فرنجية. وهوَ ليسَ "مرجعيّة رعاية" لأيّ إجتماع مسيحيّ. إنّ المقصود إذاً من "إستحضار" الجنرال الى لقاء أهميّته أن يكون ثنائياً، هو تكريس "وضعيّة" له "فوق" الأطراف المسيحيين، في حين أنّ مشاركته الطبيعية في إجتماع موسّع ستكون مشاركة لطرف بين أطراف "متساوين". والحال انّ المقصود تعويم الجنرال مسيحياً. و"على الطريق" يحاول فرنجيّة أن "يبيع" الجنرال موقفاً "يعوّض" "الضرب" الذي "فعله" به بإسقاط ممثّل "التيار" عن لائحته في زغرتا.
الإعتراف بالجنرال.. وإلا التوتّر
والإصرار من جانب سليمان فرنجيّة على حضور الجنرال لقاءه مع جعجع، لا يُخفي سعياً إلى نسف المصالحة المسيحية بما هي "مصالحة فضّ الإشتباك". ذلك أنّ حسابات النظام السوريّ تقضي بإبقاء التوتّر قائماً في البلد، لا سيّما في الساحة المسيحيّة. وفي هذا الإطار يدخلُ الحساب الإنتخابيّ حيثُ لم يعُد سراً أنّ مصير الأكثريّة النيابيّة المقبلة يُحسم في جانب رئيسيّ مسيحياً، ولذلك يقتضي للنظام السوريّ وحلفائه إبقاء التوتّر، بما في ذلك في بُعده الأمنيّ، علّ هذا يؤدّي إلى منع إستنفار الشارع المسيحيّ لصالح 14 آذار. ولا يجوز في هذا السياق تجاهُل الضخ الإعلامي عن أحداث أمنيّة آتية في الشمال تستهدف موقعاً مسيحياً أو منطقة مسيحيّة لتجييش المسيحيين ضدّ المسلمين. لا يجوز تجاهل هذا الضخّ الإعلاميّ، خصوصاً انّ الجنرال يواكبه بتأكيد أنّ أحداثا وإنفجارات أمنيّة ستحصل شمالاً.
التجييش ضدّ مسلمي 14 آذار
على أنّ ما لا بدّ من لفت النظر اليه جيّداً، هوَ أنّ فريق مسيحيي 8 آذار، أي الجنرال وسليمان فرنجيّة، يريدُ "مصالحة فضّ إشتباك" مسيحيّة قائمة على تعويم عون بـ"منحه" موقعاً لا يستحقّه مسيحياً كمرجعيّة، اي قائمة على ترييح الجنرال كي يكون وفريقه طليقين في مهاجمة مسلمي 14 آذار، على قاعدة اللعبة السوريّة ـ العونيّة التقليديّة القاضية بالتجييش ضدّ المسلمين لتحقيق مكاسب مسيحياً. ففي لحظة قد تبدو سوريّا "محشورة" في "تمرير" مصالحات إسلامية، أو قد يبدو مسلمو 8 آذار مضطرّين لهكذا مصالحات، فإنّ مصلحة النظام السوريّ وحلفائه، تكمن في إبقاء التوتّر مسيحياً من جهة وفي تولّي مسيحيّي سوريّا مهاجمة مسلمي 14 آذار من جهة أخرى.. إلا إذا كانت "مصالحة فضّ الإشتباك" المسيحية على قياس الجنرال.