#adsense

بناء القدرات العسكرية معطى جديد أمام الحوار

حجم الخط

"عقيدة إميل لحّود" شيء و"عقيدة الجيش" شيء آخر تماماً
بناء القدرات العسكرية معطى جديد أمام الحوار

ترتدي عملية بناء قدرات الجيش أهمية مصيرية في هذه المرحلة بالذات، ولا ينبع القصد من ذلك الى تمكين الجيش من حسم التناقضات بين المشاريع السياسية المختلفة في لبنان وإنما لتمكينه من تجاوز حدّة هذه التناقضات بما ينسجم مع تطبيع الحال الداخلية وبناء دولة لها ما للدول الأخرى وعليها ما على الآخرين.

فالجيش إذا ما جهّز وسلّح لن يكون ذلك لأجل تحفيزه على المواجهات التصادمية، وإنما لإدخال معطيات جديدة إلى الحوار الوطني. بعض هذا الحوار مصادَر اليوم بحجّة أنّ ليس هناك جيش قادر على حماية لبنان استراتيجياً وبالتالي لا يمكن التفكير جديّاً في تعديل المعادلات القائمة بعد الحرب أو مراجعة ثنائية "الجيش والمقاومة" بأي شكل من الأشكال. لأجل ذلك فعندما يكتسب الجيش اللبناني تقنيات ومهارات جديدة فإن ذلك سيجعل المسألة تُطرح بشكل مختلف. لن يكون ضعف الجيش هو المبرّر لإستمرار التشكيلات المسلّحة "المواكبة" أو "الموازية". وفي المقابل سوف تطمئن الأطراف الأخرى لصيغة توفيقية تبقي على هذه التشكيلات ضمن سياق معيّن بشرط أن يكون الجيش هو الضابط الأمني الأساسي له.

يمكن أن يجد الكثيرون هذا الكلام عاماً ويتفقون معه لمصادرته بطريقة أو بأخرى. والبعض يقوم بذلك من خلال طرح السؤال عن المعوقات التي تحول او ما زالت تحول دون تطوير القدرات العسكرية والقتالية للجيش.

التبسيط بعينه هو القول أن هذا الجيش "منعت أميركا تسليحه". صحيح أنها كانت مقلّة إلى حد بعيد في هذا الباب وكان ما يصل الجيش من الولايات المتحدة شحيحاً، إلا أنه إذا ما اعتمدنا زاوية مقارنة لتبيّن العكس: مستوى إمداد الولايات المتحدة جيشنا بالسلاح منذ الستينات وإلى اليوم يسبق ما قدّمه الآخرون وبأشواط. الحاجة بالطبع لحثّ الولايات المتحدة على مزيد من الدعم في هذا المجال، لكن ذلك لا يكون بالحسم سلفاً بأنها لن تفعل.

ثم أن البعض مطالب بكشف ما يريده حقيقة: هل عندما يستنكر هذا البعض عدم تسليح أميركا للجيش انما يطالبها بأن تقوم بذلك بعد طول تأخير أم أنه يطالبها بالعدول عن ذلك نهائياً؟ وهل إذا ما طالبها بالعدول عن ذلك نهائياً يمكنه أن يقترح مصادر أخرى لتجهيز الجيش اللبناني وتطوير قدراته وربطه بالراهن والمستجد في عالم الأسلحة وفي منظومات الدفاع أم أنه لا يقترح على الجيش شيئاً آخر غير تعزية الذات وتوكيل "المقاومة" بما لا يستطيع القيام به؟

ونفس البعض الذي ينعي سلفاً أي مبادرة أميركية لتسليح الجيش تراه يتخوّف على "العقيدة الوطنية للجيش" من أن يدخلها زغل إذا ما وصلتنا خوذة أو بزّة من أميركا. هنا لا بد من التذكير بأن أميركا كانت أيضاً تسلّم الجيش معدّات وآليات حتى في التسعينات من القرن الماضي من دون أن يتحدّث أحد عن خطر ذلك على "العقيدة". كما أنّ الكثيرين من الأقرب إلى سوريا في إطار شبكة "النظام الأمني" يومها كانوا يحلمون بالاستئثار بالعلاقات مع الجانب الأميركي ويتسابقون على الدورات المنظّمة في الولايات المتحدة.

ثم أن الحديث عن "عقيدة الجيش" له شروطه. لم يكن الجيش اللبناني منذ تأسيسه عام 1946 جيشاً عديم الوطنية ولا عديم الكفاءة إلى أن جاء إميل لحّود فحوّله إلى جيش وطني ذي كفاءة وإقدام وعقيدة(!). فسيرة الجيش اللبناني في حرب 1948 ضد اسرائيل أكثر من مشرّفة في المالكية وغيرها. صحيح أن الجيش ضيّق على المخيمات الفلسطينية منذ نشأتها وأنه تحمّل ما يترتّب عليه من مسؤولية في نطاق اتفاقية الهدنة بما في ذلك "منع التسلّل" إلا أنه ظهر كصمّام أمان للنظام السياسي عام 1958 واستطاع أن يوجد معادلة ملكة لتعايش لبنان مع الحالة الناصرية منذ اجتماع الخيمة بين الرئيسين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر. ليس معقولاً أن تكون عقيدة الجيش تبخس حقّ مؤسسه والرعيل الأول لصالح اسقاط صفات المؤسس الثاني والباعث من تحت الركام لإميل لحّود.

صحيح أن ظروف ما بعد الاجتياحين الاسرائيليين للبنان ثم نشأة المقاومات المختلفة حكمت تبديلاً استراتيجياً في العقيدة العسكرية للجيش بحيث كان تأمين الطريق للمقاومين في مرحلة بعد الحرب في مقابل احتكار صنف سياسي ديني بعينه للعمل المقاوم إلا أنّه ليس لذلك علاقة بما يمكن الإصطلاح على تسميته "عقيدة إميل لحّود" وهذه بالذات التي تحتاج لأكثر من مراجعة: حذفها أفضل.

عقيدة إميل لحّود هي عقيدة "وحدة الجيشين" و"تلازم المسار والمسير" وتبرير حال الإستثناء الأمنية بإسم "مكافحة التوطين" وهي أيضاً عقيدة "الجيش ضد الحزبية" أو حتى "الجيش هو الحزب الحاكم".

عندما يتخوف البعض من أن تتبدّل عقيدة الجيش إذا ما تسلّح من طريق أميركا والغرب فإنه يتخوف بالطبع على هذه المنطلقات وليس أبداً على الواقع الاستراتيجي الذي فرض تحديد الخطر الرئيسي للبنان من جهة حدوده مع اسرائيل دون أن يعني ذلك السكوت على ظلم ذوي القربى وإن كان الرّد على هذا الظلم يستدعي تعرّجات في غاية التعقيد ولا يمكن معالجتها بأسلوب واحد ولا وصفها بمصطلحات ثابتة أو واضحة على طول الخط.

"عقيدة إميل لحّود" أرادت جيشاً بعين واحدة. أما التحدّي الآن الذي بناء عليه تثبت الدول صدقيتها في تسليح الجيش ويثبت الجيش أهليته لتقبّل التسليح فهي أن يكون للبنان جيش بعينين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل