الجنرال يستعين بماضي الآخرين ليرمّم صورة حاضره
الحريري كان مع سوريا من أجل السيادة.. وعون صار معها من أجل.. كرسي
بثّت محطة (OTV) الناطقة باسم العماد ميشال عون في مقدمة نشرتها الإخبارية مساء أول من أمس خبراً مفاده أن اليوم المشار إليه يصادف "الذكرى السنوية السادسة لتسليم مفتاح العاصمة اللبنانية الى ضابط مخابرات سوري. في مثل هذا اليوم فرش السجاد الأحمر للغازي.. وقف ممثلو بيروت ولبنان يشكرونه على أياديه البيض…". وأرفقت هذا الخبر بمقاطع من الأرشيف بصوت الرئيس الشهيد رفيق الحريري وصورته، وبأخرى لرئيس بلدية بيروت عبدالمنعم العريس بالصوت والصورة أيضاً، تتضمن تأكيداً لهذا الخبر وإشادات بالدور السوري في لبنان.
طبعاً الخبر المشار إليه لا يحتاج الى تدقيق لأنه صحيح، وكذلك المقاطع المرئية ـ المسموعة أيضاً. فالأمانة الصحافية حاضرة، وكذلك الذاكرة الدقيقة والشفافة. لكن ما يحتاج الى تدقيق في الواقع هو كيف أن هذه الذاكرة (الشفافة) استثنت مواقف العماد عون قبل ست سنوات من النظام السوري، كما لو أنها أرادت حجب هذه الصورة أو حذفها من الأرشيف لئلا يظهر الفارق كبيراً مع مواقف الجنرال اليوم إزاء النظام المذكور نفسه.
فليس جديداً بالنسبة الى المشاهدين الغمز أو الإيحاء أو التذكير بمواقف الرئيس الحريري الإيجابية تجاه سوريا، وما أكثرها خلال معظم مراحل حياته السياسية. وتكفي العودة الى أي أرشيف مكتوب أو مرئي أو مسموع للوقوف على مئات المواقف والتصريحات التي تعكس هذه الصورة. وبهذا المعنى لا يمكن الحديث عن "سبق صحفي" في هذا الخصوص طالما أن ما تمّ عرضه لا يخرج عن سياق سياسي عام طبع مواقف رفيق الحريري في معظم الأحيان. أما الجديد، أو السبق الصحفي.. أو السياسي الذي يستحق العرض، والنقاش أيضاً، فيتمثّل بمواقف الجنرال عون الإيجابية "جداً" إزاء النظام السوري منذ نحو سنتين، ومقارنتها بمواقف الجنرال نفسه إزاء النظام السوري قبل سنوات.
في هذا المشهد بالذات يكمن "السكوب" (scoop) السياسي: جنرال "السيادة والحرية والاستقلال" يخجل من حاضره.. فيستعين بالماضي لينتقم من رجال طبّقوا شعاره هو، شعار السيادة والحرية والاستقلال.
فليس السؤال المطروح اليوم: لماذا بدّل الرئيس الحريري موقفه تجاه النظام السوري في نهاية حياته، أو أن ما اتبعه في تلك الفترة كان "سياسة عودة السيادة الى لبنان" كما قال عون نفسه في 4/12/2005 (جريدة "السفير")؟ وإنما السؤال: كيف خاض الجنرال حروباً عسكرية وسياسية ضد الوجود السوري في لبنان على مدى سنوات، ومن ثم صار المدافع الأول عن النظام السوري كما هي الحال الآن؟
فمن نافل القول إن الرئيس الحريري كان مع سوريا لسببين: الأول لأن ثقافته وتربيته كانتا تختزنان موروثاً قومياً عبّر عنه بالتقرّب من كل العرب، بمن فيهم سوريا، باعتبارها الجار الأقرب والمؤثّر في الوضع اللبناني. والثاني لأن الحريري لم يكن مؤمناً بإمكانية نيل استقلال لبنان بالصدام مع سوريا وإنما بالتفاهم معها. إذاً، رفيق الحريري كان مع سوريا من أجل سيادة لبنان، وهو بدّل نظرته هذه في الشهور الأخيرة قبل استشهاده عندما تيقّن أن مبدأ الحصول على السيادة بالتراضي ليس ممكناً.
أما الجنرال عون فأظهر وداً تجاه النظام السوري في المرحلة الأولى من توليه رئاسة الحكومة العسكرية (العام 1989)، من أجل أن يصبح رئيساً للجمهورية، وهو لذلك أطلق شعاره الشهير في إحدى الصحف الكويتية في ذلك الحين أنه مستعد لأن يكون "جندياً صغيراً في جيشك العظيم يا حافظ الأسد". ويكفي الوقوف على بعض الكتب والمواقف الصادرة في تلك المرحلة، لحلفاء كثر للنظام السوري، التي تصلح كأرشيف موثّق لهذه الحال. ولم ينقلب الجنرال على النظام السوري وخاض "حرب التحرير" إلا لأن هذا النظام خذله في نهاية الطريق وحال دون وصوله الى سدة الرئاسة. أما عودته الى سكة الودّ للنظام السوري، في السنتين الماضيتين، فلم تكن أيضاً إلا من أجل انتزاع كرسي الرئاسة، بدليل ترشيحه لهذا الكرسي من قبل حلفاء النظام السوري فقط.
إذاً، رفيق الحريري اقترب من النظام السوري، ثم ابتعد عنه من أجل السيادة. فيما تودّد ميشال عون لهذا النظام، ثم حاربه، ثم صار أكثر المدافعين عنه من أجل.. كرسي.
لذلك لا تجوز المقارنة ـ ولو بصورة ضمنية ـ في العرض التلفزيوني المشار إليه بين من ضحى بحياته من أجل البلد وسيادة البلد، وبين من باع البلد من أجل كرسي.
وبهذا المعنى قد يكون القصد من هذا العرض التوثيقي ليس الإساءة الى الشهيد رفيق الحريري الذي انتزع بدمه استقلال لبنان، بعد أن سعى الى ذلك قبل استشهاده بوسائل أخرى، وإنما السعي الى تبرئة ذمّة الجنرال السياسية بعد أن ذهب الى حضن نظام إرهابي "والناس راجعة". أي السعي الى تذكير اللبنانيين بمواقف إيجابية سابقة للرئيس الحريري إزاء النظام السوري، لكي ينسوا مواقف الجنرال الإيجابية حالياً تجاه هذا النظام.
هذا هو باختصار معنى الحملة الجديدة ـ القديمة ضدّ الشهيد رفيق الحريري، في لحظة انتخابية محرجة للجنرال أمام جمهوره الذي صار الجزء الأكبر منه يتساءل: أيُعقل أن مسلمين حصدوا استقلال لبنان، بينما صار مسيحيون (مسيحيو الجنرال) في أحضان دمشق وطهران، بعد أن كانوا روّاد شعار السيادة والحرية والاستقلال؟
ولا شك في أن بعض هؤلاء سأل الجنرال مراراً وبصورة مباشرة: كيف نبرّر لأهالي المفقودين في السجون السورية والشباب الذين ضُربوا في 7 آب واعتقلوا وتعرّضوا لكل أنواع التنكيل، هذا الانقلاب في الموقف، خصوصاً بعد أن خسرنا شعار السيادة وكرسي الرئاسة في آن؟ أملين طبعاً ألاّ يكرّروا السؤال نفسه للجنرال بعد فقدانهم عدداً من المقاعد النيابية التي حصدوها في انتخابات 2005 في الانتخابات المقبلة.
أعطى رفيق الحريري مفتاح مدينة بيروت الى العميد غازي كنعان كي لا يتهدّدها الحرق والتخريب، كما هدّدها الجنرال في ما بعد وكما حدث يوم 7 أيار. لكن ميشال عون أعطى مفتاح البلد كلّه لنظام الوصاية لكي يحرقه.. وقد احترق.