#adsense

مصالحات 7 أيار تقف عند حدود القائمقامية المسيحية

حجم الخط

"مصالحات 7 أيار" تقف عند حدود القائمقامية المسيحية
ضغط سوري للدخول على خطها وسقفها نداء الـ 2000

توقف مسلسل المصالحات الذي بدأ في طرابلس في الاسبوع الاول من ايلول الماضي، عند جسر المدفون، حيث تلتقي قائمقامية جبل لبنان المسيحية ووادي القديسين، وحيث كان للموارنة تاريخ وحياة ومستقبل.

عند الجسر الفاصل بين الاقطاعيات المارونية المتنافرة، دفن مشروع المصالحات، عشية توجه النائب العماد ميشال عون الى ايران، محتفلا بذكرى 13 تشرين الاول في ربوعها. والمصادفة في السياسة مشروعة وبديهية، لكنها احيانا قد تصبح خارج التاريخ والجغرافيا، متى اجتمعت اسباب جمة على تحولها من مصادفة عابرة الى محطة تاريخية لا يمكن القفز فوقها من دون التوقف عندها. لان زعيما مارونيا يقف في وجه الولايات المتحدة ومشروعها يزور الجمهورية الايرانية الاسلامية في لحظة اقليمية دقيقة ومفصلية، ليكرس نوعا جديدا من العلاقة بين طرفين، لا تشبه بشيء العلاقة التي كانت تربط الرئيس كميل شمعون بشاه ايران الراحل. فلا دور الموارنة يشبه الدور الذي اضطلع به شمعون آنذاك، ولا دور ايران رضا بهلوي، يشبه دور طهران الأئمة الساعية الى موطىء قدم في البحر المتوسط عبر لبنان.

عند هذا التقاطع، تتعثر المصالحات.

فللمرة الاولى في لبنان، تؤدي ايران دور اللاعب الاساسي، بين القوى الاقليمية التقليدية التي اعتادت ان تمارس نفوذها مباشرة او بالواسطة في لبنان. ولم يكن غريبا ان يعود كتاب غربيون وصحافيون في الاشهر الاخيرة الى نبش تاريخ هذا الدور وكيفية انطلاقته من لبنان، على خلفية خطف الرهائن الغربيين في الثمانينات. لكن بعد مرور اعوام على تلك الحوادث، تغير الدور الايراني وصارت له نكهة اخرى اكثر حدة وعمقاً واكثر تجذرا في الداخل اللبناني عبر المؤسسات المالية والاقتصادية والاعمارية، والعسكرية بطبيعة الحال، واكثر حضورا سياسيا متطورا عبر "حزب الله".

لكن هذا الدور ظل محجوباً خلف ظلال الوجود السوري، الذي ما ان غاب عن لبنان عسكريا عام 2005 حتى تقدمت ايران تدريجا، لتجلس بعد حرب تموز 2006 في الصف الاول بين الاطراف الاقليميين والدوليين المؤثرين في القرار السياسي اللبناني، مما انعكس على دمشق، اذ انقلبت الادوار فجأة، فصار ظل طهران يحجب الشام، التي شعرت مع الفراغ الرئاسي ان العزلة الدولية والعربية تشتد عليها، بينما تفتح اقنية الاتصال مع طهران، عربيا ودوليا، تحت عناوين متعددة. وجاء اغتيال المسؤول الامني في "حزب الله" عماد مغنية في دمشق، في 14 شباط الماضي يطرح اسئلة عن مستوى العلاقة بين دمشق وطهران، في ضوء جملة اشارات وتلميحات حول توتر العلاقة بين البلدين على خلفية الاغتيال، خصوصا مع غياب سوري لافت عن تشييع مغنية في بيروت، وكلام قيل في صحف ايرانية وعبارات نسبت الى ارملة مغنية حول دور سوري في الاغتيال.

7 ايار وانكسار العزلة السورية

ومع اشتداد العزلة الدولية على دمشق، والتي لم تخرقها القمة العربية فيها في آذار الفائت، بدا واضحا لدمشق ان طهران لم تفرمل اندفاعتها في لبنان. بل ان الامور ذهبت تدريجا في اتجاه تصعيد لبناني لافت، انعكس على حركة المعارضة في الشارع التي تصاعدت تدريجا، وخصوصا في المعسكر الشيعي، لتصبح في 7 ايار، عنوان المواجهة بين مشروعين كرسا خلافهما بالسلاح.

نضج "اتفاق الدوحة" على نار سريعة، ساهمت قطر في اشعالها، في موازاة كلام سعودي – ايراني متقدم دفع في اتجاه انجازه، بعدما لحقت بالمعسكر اللبناني الذي تدعمه السعودية اضرار فادحة. الا ان الصفقة القطرية، اعادت الروح الى سوريا بقدر ما اعادت العمل بالمؤسسات الدستورية اللبنانية عبر انتخاب رئيس جديد للجمهورية، مما سمح لسوريا بالعودة مجددا الى لبنان، معتبرة ان الوقت ملائم، لتثبيت مواقعها مجدداً في ضوء الغرق الاميركي في رمال العراق وافغانستان المتحركة، ووصول الادارة المتأهبة للرحيل عن البيت الابيض الى مأزق اقليمي لا عودة عنه قريبا.

اعتبرت دمشق ان حوادث 7 ايار كسرت عزلتها، وأفادت منها، وان لم تكن لها الكلمة الفصل في حدوثها، من خلال اعادة تعويم دورها الذي تقلص الى حده الادنى مع صدور القرار 1559، في وقت كسرت باريس العزلة السورية بخطوات تدريجية، توجت بزيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لدمشق.

نجح "اتفاق الدوحة" في تكريس العودة السورية، تحت عنوان العلاقات الديبلوماسية بين بيروت ودمشق، الامر الذي بدا نجاحاً على خط واحد من دون انعكاسات ملحوظة لمصلحة لبنان. فالسوريون سجلوا منذ 7 ايار سلسلة نجاحات بمفهومهم الخاص، خصوصا مع انطلاق المصالحات في طرابلس. وسجلوا تراجع رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط على خطين الاول درزي داخلي، من خلال تسليمه خلال معركة الجبل في ايار الامير طلال ارسلان ادارة الحوار وتثبيت وقف النار، والآخر تراجعه امام مد "حزب الله" وصولا الى تشكيل لجان مشتركة بينه وبين الحزب التقدمي الاشتراكي لتثبيت الهدنة السياسية والامنية والاعلامية بين الطرفين.

ووفق الوجهة نفسها يعتبر السوريون ايضا ان رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري قدم تنازلا ملحوظا في اعادة ترتيب الوضع في طرابلس تحت وطأة النار المندلعة بين باب التبانة وبعل محسن، جعله يوقع اتفاقا مع الامين العام للحزب العربي الديموقراطي علي عيد الذي كان "تيار المستقبل" حيّده طويلا ولم يعترف به ممثلا للطائفة العلوية، بخلاف ما وقع به عيد على وثيقة المصالحة مع فاعليات طرابلس.

استنادا الى ملف المصالحات، ارتاحت المعارضة في الداخل وارتاح السوريون الى مواقعهم، بعد استتباب العلاقة السنية – الشيعية والشيعية – الدرزية بحدها الادنى الذي فرض ايقاعا ثابتا في العلاقات الداخلية بين اركان التحالف الرباعي سابقا. وعزز هذا الارتياح العلاقة المشتركة بين قصر المهاجرين وقصر بعبدا تحت مظلة العلاقات الديبلوماسية.

لكن قطار المصالحات توقف عند حدود بكركي بكل ما تعني هذه الكلمة من امتدادات.
فاذا كان ثمة اعتقاد راسخ لدى المعارضة وسوريا بأن القوى الاسلامية في قوى 14 آذار تراجعت تحت وطأة 7 ايار، فان الانطباع المقابل هو ان قوى 14 آذار المسيحية لا تزال في منأى عن الضغوط لاجراء مصالحة. وبعيدا من الرغبة المارونية التي قادت الرابطة المارونية الى القيام بدور توفيقي لاجراء المصالحات، بدا ان ثمة من يدفع من خارج الحدود الى السير بالمصالحات وفق شروط، في محاولة لاحداث تغييرات في الشارع المسيحي على غرار 7 ايار. بينما تخوفت اوساط سياسية ان تكون المتفرقات الامنية الخطرة التي تقع، تمهد لمصالحة يدفع فيها اطراف 14 آذار المسيحيون اثمانا معينة.

والواقع ان الساحة المسيحية لا تزال تعيش على الايقاع نفسه الذي انتجته الانتخابات النيابية عام 2005، بمعنى الاستقرار السياسي، بخلاف الساحة الاسلامية. وبصرف النظر عن تغير نسب الولاءات لهذا الفريق المسيحي او ذاك، فان ثمة حصانة داخلية، عاشت المناطق المسيحية على ايقاعها منذ عام 2005 ولم تتغير بعد، تحت ضغط بكركي، والقيادات الامنية التي كانت فاعلة حتى في عز التوتر الامني، مما سمح بـ"تحييد" هذه المناطق عن النزاع المسلح.

ولم تتأثر الساحة المسيحية بمفاعيل السابع من ايار الامنية، الا من زاوية افادتها من التداعيات السياسية للمصالحات، لتعيد قوى 14 آذار المسيحية تموضعها على قواعد جديدة. وفيما كانت هذه القوى تعمل بوتيرة دقيقة تتأرجح بين الاعتراف بارتكاب اخطاء سياسية وبين التمسك بمواقف ثابتة، كانت سوريا تعيد تشديد الخناق على بكركي في اطار تصفية حسابات قديمة على خلفية ندائها الشهير عام 2000.

لم تكن مصادفة ان يعاد فتح ملف المصالحات، في هذا الوقت، وان يحاول السوريون النفاذ من خلالها الى الوضع المسيحي الذي لا يزال محصنا على رغم بعض الهزات الامنية الخطرة وتحديدا في الشمال. كما لم تكن مصادفة ان تتحول المناقشة من مصالحة بين الافرقاء السياسيين الى مصالحة بين بكركي وبعض الزعامات المارونية، وتصوير بكركي خصماً سياسياً.

وقد عُرف العماد عون بانه على تقاطع دائم مع بكركي، يختلف معها بحدة ولا يخفي مآخذه عليها. ولكنه في المقابل تمكن من سحب نفسه بدقة من محاولة توريطه في لعبة شروط وشروط مضادة، يعرف تماما آفاقها وانعكاساتها على ابواب الانتخابات النيابية.

في المقابل عدّل الوزير السابق سليمان فرنجيه موقفه من المصالحة، مشترطا تركيبها على قاعدة الاركان الموارنة الاربعة، في حين كانت مصادر قريبة منه تقول ان زيارة رئيس اساقفة بيروت المطران بولس مطر لبنشعي كانت بتكليف من البطريرك الماروني الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير لترتيب مصالحة له مع بكركي، على ان ينضم الى لقاء بينهما في الصرح البطريركي الرئيس ميشال سليمان.

لكن الوسط السياسي يعرف ان مثل هذا الاقتراح تصعب ترجمته، فرئيس الجمهورية يحرص على ابعاد نفسه عن اي تجاذب بين المسيحيين واذا أراد رعاية اي مصالحة فسيكون ذلك في بعبدا وليس في بكركي، اضافة الى ان اي رعاية من صفير لاي مبادرة تفترض ان تكون من خلاله مباشرة لئلا تتكرر التجربة السابقة التي قام بها مطر لجمع فرنجيه وعون مع الرئيس امين الجميل والدكتور سمير جعجع، وباءت بالفشل مع اعلان البطريرك عدم معرفته بها.

اما مسيحيو "14 آذار" فبدوا اكثر ارتياحا الى التعامل مع موضوع المصالحات، على قاعدة ان لا تغييرات جذرية في ساحتهم تحتم عليهم القيام بتنازلات وتراجعات حماية لها، نقيض ما حصل مع نظرائهم السنة والدروز.

وفي المشهد العام، تبدو المصالحات حيوية ويطلبها الاركان الموارنة. ويرغب الاساقفة الموارنة المعنيون في انجاز وثائق مصالحات، قد لا يكتب لها ان ترى النور، بسبب مواقف قيادات الطائفة، لكن الاكثرية المسيحية، مرتاحة الى وضعها الداخلي ولا تبدو محرجة بعدم اتمام المصالحات التي انتهت قبل ان تبدأ، لان عيونها على مكان آخر.

فهي منصرفة الى ترقب امرين يحكمان مستقبل العلاقات الداخلية حتى بين الموارنة انفسهم: المحكمة الدولية والانتخابات النيابية. وبين الامرين علاقة وثيقة، خصوصا ان التقرير الدولي الخاص بالمحكمة والقرار الظني يتوقع صدورهما قبل الانتخابات النيابية. ومعهما، ومع المشهد السوري المنفتح على احتمالات متداخلة، يترقب الافرقاء المسيحيون تداعيات التقريرين على الوضع الحكومي والمسيحي على السواء. وعند ذلك سيكون للمصالحات وقع آخر، وايقاع مختلف يشبه ما احدثه نداء بكركي في 2000.

المصدر:
النهار

خبر عاجل