دمشق اجتاحت لبنان بالإيحاء متكئة على تلبّس رئيسها قامة بوتين القوقازية ونشوته بقمة دمشق الرباعية
الحسم الأميركي لمصلحة لبنان أظهر أسد سوريا بلا.. أنياب
كل ليلة، كان الإعلام العوني معزّزاً بإعلام "حزب الله" يطل على اللبنانيين، شامتاً بقوى الرابع عشر من آذار التي تخلّى عنها المجتمع الدولي دفعة واحدة، ليعود الى الخيار السوري "صاغراً" ومستسلماً لاستراتيجية ما قبل الحادي عشر من أيلول 2001.
وهذا يعني أن العماد ميشال عون والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، كانا يُظهران ارتياحاً عميماً لعودة لبنان، بتكليف دولي جديد، الى ما كان عليه قبل نيسان 2005، أي قبل عودة الأول من النفي وقبل أن يُهدي الثاني بندقية التحرير الباهظة الثمن للعميد "المطرود" رستم غزالي.
ولكن، ومن دون سابق إنذار، أطلّ على اللبنانيين الوزير ماريو عون، وعلى خلفية قراءته لجدول زيارة معاون وزير الخارجية الأميركية دايفيد هيل للبنان، متخوّفاً على حياة العماد ميشال عون، على اعتبار أن الأميركيين أعادوا فتح الساحة اللبنانية على كل الاحتمالات، الأمر الذي كان قد سبقه اليه بيوم واحد النائب السابق سليمان فرنجية، الذي أبدى تخوّفاً على حياته، من مؤامرة خارجية قد تطيحه لبسط سيطرة الدكتور سمير جعجع على الساحة المسيحية.
كان سبب هذا الخوف، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأن دايفيد هيل غيّر اتجاه الانفتاح الأميركي هذه المرة، فالذهاب الى "الفريق الآخر"، لم يعد يسلك درب المارونيين عون وفرنجية، على ما جرت العادة سابقاً، بل سلك درب الأرثوذكسي إيلي الفرزلي بصفته صديقاً قديماً، حين كان هيل الذي افتتح لقاءاته بـ"نسر معراب"، قائماً بأعمال السفارة الأميركية في بيروت وكان الفرزلي نائبا لرئيس مجلس النواب.
وهذا يعني، خلافاً لكل أنواع البروبغندا التي مارسها المتأثرون بتوجيهات فريق بثينة شعبان الدعائي، أنّ ما فعله الأميركيون في لبنان، في مرحلة "البطة العرجاء"، كان مؤثراً الى المستوى الذي أشعر شخصيات محمية سورياً وإيرانياً، بخطر كبير، على الرغم من انعدام الأسبقيات.
ما هو منبع هذا الخوف تحديداً؟
كان الفريق اللبناني، الذي يُراهن على ارتفاع الأسهم السورية في سوق المقايضات الدولية، مقتنعاً بأن المجتمع الدولي تراجع عن ثوابته تجاه لبنان. وهذه القناعة ترسخت من قراءة الوقائع الظاهرة، وهي كالآتي:
أولاً، مجيء الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى سوريا، حيث عُدت قمة رباعية كان لبنان على طاولتها من مدخل مخاطر الأصولية في الشمال على الدول العربية والإسلامية والأوروبية.
ثانياً، اقتناع الرئيس السوري بشار الأسد بأن ما حصل في القوقاز سوف يحصل في لبنان، فروسيا ليست سوى سوريا وجورجيا ليست سوى لبنان وأوسيتيا الغربية ليست سوى طرابلس امتداداً الى عكار.
ثالثاً، انتشار الجيش السوري على الحدود الشمالية للبنان، بعد أسبوعين من انتهاء قمة دمشق الرباعية، وتحديداً بعدما "تأكد" أن الأسد ومجموعته ومن ضمنها النائب السابق ميشال سماحة أقنعوا المخابرات الفرنسية بأن الشمال ليس خطراً على سوريا فحسب بل على أوروبا أولاً بأول، وتالياً فليس هناك من خلاص مستقبلي لأوروبا عموماً ولفرنسا خصوصاً من مخاطر هذا الإرهاب، سوى إطلاق يد الأسد في شمال لبنان.
رابعاً، عودة الشخصيات التي استدعاها الأسد للجلوس الى يساره في قصر المهاجرين الى لبنان، وعلى وجوهها نشوة المدرك أن زمن أول سيعود، حتى قيل إن وزيراً في الحكومة الحالية جلس في مقهى في كسروان يُخبر جميع الموجودين إن الرئيس الأسد اتخذ القرار بالعودة الى لبنان، فهو سوف يتعاطى مع شمال لبنان كما تتعاطى تركيا مع شمال العراق، لذلك فإن القوات السورية الموجودة على الحدود ليست لقطع دابر التهريب، الذي هو أولاً وأخيراً، تجارة تمسك بها المخابرات السورية، بل للتوغل داخل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ عمليات مدروسة تفرض بدربها وقائع تظهر لمصلحة قوى الثامن من آذار في الانتخابات النيابية المقبلة.
خامساً، إن عديد القوات السورية المنتشرة على الحدود الشمالية للبنان ليس بحجم مهمة منع التهريب، بل هو بحجم القوة المطلوب منها تنفيذ عمليات عسكرية، وهذا العدد لم يصدر عن فئات لبنانية، بل إن مصدراً عسكرياً لبنانياً أعطاه لوكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن المسؤولين السوريين الذين جرت مراجعتهم، لمعرفة ماذا يحصل على الحدود اللبنانية من الجهة السورية.
سادساً، إن الجانب السوري التزم الصمت المطبق حيال تحركه الحدودي وترك للمسؤولين اللبنانيين أن يتحدثوا عنه بقدر المعلومات التي يتم تسليمها إليهم، الأمر الذي يُبقي هذا الانتشار العسكري صالحاً لشتى الاستعمالات المتاحة، ويكون في آن، بمثابة بالون اختبار لطريقة التعاطي الدولي مع إيحاءاته، ولا سيما تعاطي الإدارة الأميركية التي، بقدر ما تظهر ضعيفة بفعل المرحلة الانتخابية بقدر ما تظهر خطرة بفعل حاجة رئيسها جورج بوش الى مبررات لمعركة تُخرجه منتصراً من البيت الأبيض، وينعكس إيجاباً على الحملة الرئاسية للحزب الجمهوري الذي سيقطف ثماراً غالية، لأن الضربة تمّ توجيهها الى النظام السوري، الذي هو من أكثر الأنظمة المكروهة لدى الرأي العام الأميركي.
سابعاً، إنّ الفريق السوري في لبنان، "فرفح" قلبه حين دوّى الانفجار في دمشق، لا بل إن أركانه كانوا أوّل من همس في آذان المحيطين بهم، بأنه عمل مدبّر من النظام وسوف يقود بشار الأسد الى شمال لبنان، وراحوا يحصون ردات الفعل الدولية وصفقوا طويلاً حين صدر الموقف الأميركي وأعقبه خبر اجتماع بين كونداليزا رايس ونظيرها السوري وليد المعلم.
وبالاستناد الى هذه النقاط السبع، اشترى فريق الثامن من آذار بكل ما يملك الأسهم السورية، وراح يترقب ارتفاع قيمتها، ولكن انهيارها سبق انهيار البورصة في وول ستريت، ذلك أن الرئيس السوري بشار الأسد، بدا بلا أنياب في تلك اللحظة التي قال فيها الأميركيون لا للدخول السوري سنتيمتراً واحداً الى لبنان.
كان ذلك في الرابع من تشرين أول 2008 بالتزامن مع وصول هيل الى بيروت.
وفجأة، أدركت شهرزاد الصباح، وبدأ "التمسكن" السوري في إسهال كلامي غير معتاد.
الأسد قال للرئيس ميشال سليمان في اليوم التالي لصدور الموقف الأميركي، أي بعد خمسة عشر يوماً من معرفة اللبنانيين بالعين المجردة مسألة نشر جنوده على الحدود مع لبنان: أنا أنفذ القرار 1701.
وهنا لم تعد ثمة حاجة الى النقيب ملحم كرم، لقد دخلت أبواق النظام السوري بمجملها على خط التمسكن والشكوى من خيال اللبنانيين الخصب!
وهكذا لم تعد بثينة شعبان تطلب من ناسها أن يقولوا للنائب سعد الحريري إنه يرتكب بكلامه المعارض لسوريا الخطأ الذي ارتكبه رئيس جورجيا ميخائيل ساكاشفيلي، لأن عليه أن يُدرك أن سوريا في بلاد الشام هي روسيا في القوقاز وأن بشار الأسد هو فلاديمير بوتين.
وبذلك لم يعد مجيء دايفيد هيل الى بيروت مخيفاً للأكثرية، بل بات مرعباً لميشال عون وسليمان فرنجية وما خفي هو الأعظم.