#adsense

“انفتاح”… ومحاذير “تورط”

حجم الخط

"انفتاح"… ومحاذير "تورط"

ليس مستغرباً أن يثير البعد الرمزي لتوجه العماد ميشال عون الى ايران في 13 تشرين الاول ضجة تفوق بصخبها الابعاد السياسية الثقيلة الاخرى لهذه الزيارة. فالعماد عون نفسه كان من الزعماء الذين انشأوا قواعدهم على رمزيات المحطات الفاصلة والوقائع "التاريخية" حسب ثقافة كل جماعة ومعتقداتها. وها هو، على الارجح، يختار انعطافا ضخما مكملا لانعطافته السياسية في السنوات الاخيرة عبر الابحار نحو المحور الداخلي – الخارجي الجديد الذي يوثق ارتباطه به.

من نافل البديهيات ان العماد عون يمضي في رمي التحدي في هذا الانعطاف نحو ذروة جديدة، قابلا بكل ما سيعود عليه من مكاسب وخسائر. فالواضح ان الذهاب الى ايران، وإن لم يكن مفاجئا على الاطلاق بعد اعلانه تكراراً انه صديق وحليف لدمشق وطهران من دون مواربة، يعني بالبعدين الرمزي والعملي وتوقيتا ومضمونا ان العماد عون يبني حساباته على اعتبار ان ما تبقى من اشهر فاصلة عن الانتخابات النيابية لا يحتمل ادارة كلاسيكية للمعركة ويحتاج الى صدمات ضخمة.

ولكن ما ينبغي انتظاره بعض الوقت لتبينه هو ما اذا كان العماد عون قد احتسب بدقة الفارق الخطير بين شعار الانفتاح على دولة اقليمية كبيرة تتمتع بنفوذ ساحق في المنطقة ولبنان وشعار التوجه من دون رجوع الى التحالف مع المحور الايراني – السوري بإشهار العداء لأميركا والسعودية. فالشق الاول المعلن لزيارته طهران كزعيم مسيحي ينادي بالانفتاح هو الامر الايجابي المنطقي في هذه الزيارة لأنه يتلاءم والدور المسيحي التاريخي في لبنان والذي يحسن بالمسيحيين ترميمه وانهاضه واعادة الالق اليه بعيداً من الحسابات الظرفية، لحاجة المسيحيين اليه اولاً ولحاجة لبنان برمته الى استعادة دور مسيحي رائد في المنطقة والعالم تالياً.

أما المحظور الكبير فيتمثل في خطورة التورط في سياسة محورية اقليمية مناهضة لمفاهيم وثقافات وحتى ارتباطات تاريخية لمعظم المسيحيين على الاقل قبل ان يُقدّم المحور الايراني – السوري ما يكفي من الدلائل والاثباتات والسياسات على انه كفّ عن توظيف الساحة اللبنانية كورقة استباحة في صراعاته مع الغرب والعرب. وحتى لو كانت الذريعة التلقائية التي تطرح تبريرا لهذا المحور في توظيف الساحة اللبنانية هي انه الطرف الحليف للبنان في صراعه مع اسرائيل، فان ذلك لا يحجب ابداً الطموحات "الداخلية" لهذا المحور في التركيبة اللبنانية بدليل "نجاحاته" الموصوفة مدى السنوات الاخيرة، وحتى بعد الانسحاب السوري، التي كادت تقوّض النظام الدستوري اللبناني.

في هذا السياق يقف العماد عون في خطوته الجديدة عند شفا مخاطرة ضخمة. وهو اذ فترض ان يكون حسب تماما لمحاذيرها، سيأخذ معه بطبيعة الحال الصراع المسيحي – المسيحي الى مرحلة متطورة ومحدثة لا تقل خطورة. فالعماد عون لا يختصر المسيحيين اللبنانيين بطبيعة الحال، ولا مجموع الزعماء المسيحيين يختصرونهم ايضا، لكن مع اشهاره التحالف مع ايران وسوريا في مقابل مناهضة اميركا والسعودية وسواهما من نادي الدول التقليدية الداعمة للنظام اللبناني والطائف وفريق قوى 14 آذار ضمناً، سينحو الصراع السياسي في اتجاه بالغ التعقيد على المستوى المسيحي خصوصا. فثمة في هذا المقلب حاجة ماسة وضاغطة لدور مسيحي "مستقل" على المستوى الخارجي في اقل الاحوال خصوصا ان كلفة الصراع العربي – الايراني والغربي – الايراني – السوري تهدد دولاً ومجتمعات وانظمة بقضها وقضيضها، فكيف بالمجموعة المسيحية اللبنانية؟

واذا كان العماد عون يرمي قفاز خياراته الجديدة في وجه الجميع معتبرا انها خشبة الخلاص الجديدة للمسيحيين، في وجه محور خارجي يعاني ارباكات ضخمة في لحظة دولية واقليمية حرجة، فان ذلك سيرتب عليه كلفة فورية لهذا المثلث من الحسابات والاسئلة:

ماذا يضمن للمسيحيين مصالحهم وثوابتهم في "نظام" متغير لو نجح المحور الاقليمي في تغيير وجه لبنان؟ وهل يقوى المسيحيون على كلفة مناهضة المحور الدولي – العربي الواسع الذي يدعم النظام اللبناني حاليا؟ ومن يضمن لهذا النوع من الصدمات مردودا مكفولا في الانتخابات النيابية يكون افضل من الانتخابات الرئاسية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل