كيف «يحمي» عون مصالح المسيحيين؟
ليس مستغرباً أن يقوم النائب ميشال عون بزيارة الى ايران. المستغرب حقيقة ان تكون هذه الزيارة قد تأخرت الى اليوم، وبالتالي تأخرت الفائدة التي يمكن ان يجنيها الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد ومعاونوه من رجل مثل زعيم «التغيير والاصلاح» في لبنان، خصوصاً بعد أن شهد له السفير الايراني في بيروت بـ «نظرته الاستراتيجية والصائبة والعميقة للأمور».
فمنذ «تفاهم» عون مع «حزب الله» على المشروع الذي يتبناه هذا الحزب لمستقبل لبنان، صار طبيعياً ان تكون ابواب طهران مفتوحة امام الرجل الذي يعتبر نفسه «الزعيم الاقوى» للمسيحيين. ولأن هذه الزعامة تقتضي النظر البعيد الى مصالحهم، فقد وجد عون ان هذه المصالح لا تأتي الا عن طريق التحالف القائم بينه وبين السيد حسن نصرالله، ثم عن طريق الرعاية الايرانية، المعروفة بتسامحها، ليس فقط مع الاقليات لديها، بل ايضاً مع رموز الجمهورية الاسلامية البارزين، الذين حولتهم سياسات النظام الحالية الى موقع المعارضة. يكفي للتدليل على تسامح النظام الايراني مع معارضيه ان يسأل عون خلال جولته الايرانية عن الفرص السياسية المتاحة امام الرئيس السابق محمد خاتمي أو امام سلفه هاشمي رفسنجاني، او حتى امام افراد عائلة قائد الثورة آية الله الخميني، او ان يسأل عن آية الله حسين منتظري، الذي كان يوماً ما خليفة محتملاً للخميني، والذي بات يقول اليوم: عندما يتعاملون معي بهذه الطريقة، فماذا يمكن ان يكون مصير الناس العاديين؟
المستغرب ايضاً ان يختار عون توقيت زيارته الى ايران ليجد فيه فرصة مناسبة لشن هجوم على السعودية، متهماً إياها بأنها كانت شريكاً للسوريين في الوصاية على القرار اللبناني بعد اتفاق الطائف، وبأن العام 2005 شهد نهاية البعد الأمني للمعادلة السورية السعودية وبقيت «التبعية للسعودية والولايات المتحدة». سبب الاستهجان ليس لأن من اصول اللياقة ان يتم تجنب هذه الاساءة في الوقت الذي يقوم به رئيس الجمهورية بزيارته الرسمية الاولى الى السعودية، يرافقه ضمن الوفد احد المسؤولين في تيار عون، نائب رئيس الحكومة عصام ابو جمرا، بل ايضاً لأن وقائع ما جرى في تلك المرحلة تكذب زعم عون، وكذلك وقائع ما جرى لعون نفسه. ذلك أن التحول الذي جرى على تطبيق اتفاق الطائف بعد اغتيال الرئيس رينيه معوض وانتقال القرار بعد ذلك بالكامل الى يد الوصاية السورية لم يعد بحاجة الى دليل. ولعل ذاكرة عون، التي باتت متخصصة في نبش التاريخ، تسعفه فيتذكر الحملات التي كان يشنها على «الاحتلال السوري» في تلك الفترة، قبل ان تؤول الاحوال في الرابية الى ما آلت إليه.
في كل حال، يشكل الاختراق الايراني لصفوف المسيحيين في لبنان عن طريق التحالف مع ميشال عون فرصة لتثبيت الانقسام الحاصل في صفوفهم وتعطيل كل محاولات إعادة الوحدة في ما بينهم. يشكل هذا الاختراق ايضاً فرصة أمامهم لإعادة التفكير في واقعهم والبحث الحقيقي عن مصلحتهم، بعيداً عن تهور الشعارات الذي يسيطر الآن على الساحة المسيحية. يستحسن بهم ايضاً قراءة ظروف المنطقة المحيطة بهم وتأثير قرارات الحكومات فيها على حياة الناس. ففي الوقت الذي يشكو قادة المسيحيين في العراق من حملات القتل والتهجير التي يتعرضون لها. يفترض بالمسيحيين اللبنانيين أن يتأملوا، مقابل ذلك، في الفرص المتاحة لهم في عدد من دول المنطقة، والخليجية منها على الخصوص. هذه الفرص التي يؤمل ان لا تساهم حملات عون، «الحريص» على مصالح المسيحيين، في الاساءة اليها.