#dfp #adsense

بين لبنان والسعودية، ودائع من تاريخ

حجم الخط

بين لبنان والسعودية، ودائع من تاريخ

منذ أمين الريحاني، كل لقاء لبناني سعودي له نكهة من التاريخ، لأن التاريخين، بل البلدين استودع كل منهما تاريخ الآخر شيئاً من ذاته لم يمح ولا ينسى.
وكيف ننسى ان السعودية كانت أول دولة عربية اعترفت بالاستقلال اللبناني وأوفدت للمشاركة في الاحتفال به وفداً ملكياً كان بمثابة البيعة، ثم لما أراد بعضهم، عند تأسيس جامعة الدول العربية، اعتبار الاستقلال اللبناني "موقتاً" ومشروطاً، هبّت المملكة لتنصر الوطن الاصيل، الصغير الذي كان لمواطنيه في السعودية وهيكلياتها النامية "عمال" المهن الذين شاركوا في وضع المجتمع السعودي على طريق الحداثة السياسية والثقافية والادارية، والأسماء شواهد.

وقد أحصى الأستاذ سليم نصّار، في مقاله الأخير في "النهار" و"الحياة" بعض ما ومن كان منا وصار سعودياً، كما أحصى ما لنا في السعودية وأعمالها، منذ ما قبل عهد النفط، حين كانت مصادر الثروة هي الجهد والاختراع وعرق الجباه وحبر العقول والأقلام… كما أحصى في المقابل ما رتبته السعودية علينا من ذمم آفاق الانماء الرحبة وما صار لها في ديارنا وأشغالنا من مشاركة حلال.
ضيافة الارض المتبادلة هذه زرعتها السواعد مداميك شراكة انسانية كيانية وسقتها بعصارات القلوب الشواهد وبنات العقول، فامتزج المصيران الى حد أن لبنان كان دائم الفزع الى التأييد السعودي في كل أزمة، بل في أبسط المناسبات.

وإن ننس فلا ننسى – ولو نسي أو تناسى أبرياء العقول القليلو المعرفة، الذين ذهب بهم شغف في غير محله الى حد الدعوة الى وساطة لبنانية يقوم بها الرئيس سليمان بين السعودية وسوريا في حين لم تنعم السيادة اللبنانية بما تحتاج اليه من الاستقرار كمثل ما نعمت به يوم كانت تنتظم العلاقات العربية محاور، وكان المحور السعودي – السوري أحد اعمدة السياسة اللبنانية… الى أن ذهبت دمشق مذاهبها تركض على دروب الانقلابات والمجازفات !

• • •

كل ذلك تجاوزه الزمن عندما تدخلت السعودية وأودعتنا مؤتمر الطائف وما نجم عنه من اتفاقات اسست لجمهورية جديدة ختم بدمه اول رئيس جرى اختياره لحكمها الرئيس الشهيد رينه معوض ذخيرة "الجمهورية – الوديعة"… ولا نعرف بعد ما اذا كان وراء اغتياله وماذا كان قبل مما تسبب بالاغتيال الذي حال دون استقرار حكم الطائف على ما كان يراد منه وما كان المرتجى.
التاريخ… التاريخ !
من يدري، ربما جاءنا يوم بمن يكشف اسراره، بما فيها مثلاً اسرار اغتيال الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز رحمه الله وتغمّده برحمته واسكنه والرئيس المعوض فسيح جنانه.

ترى، هل كان الذين فجروا اليوم بالذات قنابل يدوية على موقع للجيش يريدون توجيه رسالة الى الرئيس الذي انجبه هذا الجيش وهو لا يزال جيشه؟
وأية رسالة هي تلك؟
لا احد يعرف بعد. إلا أن الذي نعرفه عن العماد الرئيس يجعلنا نجزم أنه يعرف كيف يرد على الرسالة اياً كان مرسلها.
ونعرف أن السعودية لا بد أن تشارك في الرد.

تنويراً لمن لم يقرأ أول حديث أدلى به الملك عبدالله بن عبد العزيز، خادم الحرمين الشريفين، نعيد نشر هذا الحديث الذي نشرته "النهار" افتتاحية بتاريخ 5/9/2005:

مع أول حديث للملك عبدالله آل سعود
عودة العروبة في وجه البعثرة الفيديرالية

جدة – من غسان تويني:
من يوم واحد طويل في "ديوان" الملك عبدالله بن عبد العزيز، تعود بانطباع اساسي تتفرع منه انطباعات ثانوية كلها ايجابية.
الانطباع الاساسي هو ان المملكة، بسبب من اطمئنانها المشروع الى اسلاميتها، مدعوة الى ان تقوم بدور عربي "قومي" متوافرة لها ظروفه الموضوعية، على الصعيد الجيوستراتيجي، كما هي غير متوافرة لسواها: من حيث الحجم السياسي والوزن الاقتصادي – الحالي والمستقبلي – فضلاً عن التطلع الطبيعي والمركز الاقليمي والتحرر بمناعة نظامها السياسي من مثل ما تتعرض له سائر الدول العربية الكبرى… كالعراق الغارق في الحرب التي تمزقه، ومصر التي تمزقها او تكاد اول انتخابات رئاسية تشهدها بالقدر الممكن من الديموقراطية، وأخيراً سوريا المتسربلة بأشلاء عقائديتها التي تحولت من العسكريتارية التي كانت لا تخلو من الشهامة، الى الحكم المخابراتي المستنقع في المافياوية.
وغني عن القول ان بعض تميّز السعودية يعود الى استقرار علاقاتها الخارجية غير المتأثرة بأي ابتزاز وغير المضطرة الى ممارسته، مع كل مواقع القرار، من واشنطن الى… الهند والسند، مروراً بأوروبا كلها.

• • •

"الدور العربي القومي" الذي نتحدث عنه هو مواجهة ما صار يسمى "الثقافة الفيديرالية" التي يصارحونك هنا، من الملك عبدالله الى ولي العهد الامير سلطان بن عبد العزيز الى وزير الخارجية الامير سعود الفيصل، بأنه الواجب القومي الاول لأن المباحثات "الدستورية" (الملك عبدالله يشير صراحة الى بعض العبارات في المساجلات الكردية السنية والشيعية التي دخلت القاموس وكانت حتى اليوم موضع استغراب واستهجان)… ثم يتركك الملك تفكر في المخاوف من "القاموس الجديد" على اكثر من جبهة ونظام، وصولا الى تركيا، ومروراً حتماً باختبارات الخليج ومخاوف سوريا…
لكن الملك لا يقول شيئاً صريحاً عن ذلك كله، ولا عن أحد…
يتركك انت تفكّر… واذا سألته، اجاب بلغته الملوكية المألوفة: "انظر الى السبات العميق الذي يسود العالم العربي اليوم، كان العرب حتى الأمس، حين كنا متحدين او على الاقل متآلفين، نخيف العالم الخارجي ونرهب الدول. أيننا الآن، في فرقتنا، من ذلك الزمان؟".

• • •

الكلام "الملوكي" هذا يعطيه وزير الخارجية العريق في العلاقات الدولية (احد عربيين اثنين هما اقدم وزراء خارجية في العالم، وثالثهما، ابو ناصر، صار رئيس وزراء الكويت) أبعاده العملية وكأنه يبوح بسرّ، ولعله كان يتعمد ذلك: "الملك عبدالله ينوي تعزيز العلاقات مع الشرق الاقصى، وهو سيزور الهند قريباً زيارة رسمية، وربما اتبعها بزيارة للصين".
ويسكت ابن الملك فيصل ويتطلع الى بعيد، ثم يبدو كمن يتساءل: "أوليس التفاوض الاقتصادي مع الشرق الأقصى اسهل بكثير من التفاوض مع أوروبا المعقدة حيث قال له احدهم – قال – إن المفاوضات تشبه تسلق جبال "الألب"، كلما وصلت الى قمة تظن انك انجزت التسلق، فتنظر الى أمام وترى ان وراء القمة جبالاً تنتظرك، متكاثرة القمم متزايدة الصعوبة لشموخها".

هل تظن السعودية انها ستكون وحدها وسائر العرب في التوجه الى الشرق الأقصى؟…. وماذا عن توثيق العلاقة مع الهند بالذات في الوقت الذي تفاجئنا باكستان، وفي رعاية تركية، بتدشين علاقات مميزة مع اسرائيل؟
لا أحد مستعد بعد للاجابة عن اسئلة تفصيلية أو افتراضها معك… كل ما يقال لك، وبالاشارة، ان اسرائيل، كمثل ايران، كثيرة الطموحات في الشرق الأقصى… ويجب ألا يظل العرب في سباتهم قابعين.

• • •

من هنا الوجه الآخر للرسالة السعودية المستمدة من اطمئنانها الى اسلاميتها: مقاومة الارهاب. وهو أمر تلمسه تلقائياً ولو في قراءة الصحف التي تخصص بعضها صفحات معنونة "ارهاب"، تحفل بالانباء والآراء، وكلها سلبية، تجاه الخطر الداهم الذي سبقت المملكة سائر العرب الى التصدي له بالعنف.

أما وجه التصدّي الآخر، وجه مواجهة الجذور والمسببات (من الفقر الى الغضب من الظلم الأميركي، مرورا بالتأخّر الثقافي والحضاري) فلا حاجة بك الى ما يدلّك عليه: العمران في كل مكان والزهو به، الانماء المستمر بفخر بل ابتهاج، الحريات والجهود التربوية والتثقيفية، وصولاً الى التطلع الى دور مؤثّر على السياسة الدولية وعواصم العالم المتعددة البعد، كما وحدها المملكة تقدر.
هنا تلمس في كلام الملك ما هو بمثابة الحنين الى مبادرة السلام التي كان قد تقدّم بها الى قمة بيروت فأقرّت، ثم "ذهبت ادراج الرياح بسبب السبات العربي". ولا تلمس في حديث الملك عبدالله بن عبد العزيز كثير اطمئنان الى "خريطة الطريق التي يحدثونك عنها أينها وأين الطريق؟".
ومع ذلك، الملك – "يعرف ذلك الاخوان الفلسطينيون" – يضع كل ثقل المملكة مع السلطة الفلسطينية ولن يتأخّر في تلبية أي طلب تتقدم به.

• • •

… ويحين وقت الكلام عن لبنان، فتبرق عيون كل من تحدّث، ثم يسكتون قليلا، ويتقطب الجبين عندما يسألونك الى أين وصل "التحقيق"، وهل يمكن حقا أن يكشف "الحقيقة"؟
لا أحد، مهما كان صحافياً عتيقاً، يقع في شرك الأسئلة المحرجة ولو بدت بريئة. لا أحد يريد اتهام "أحد" ولو كنت "تحس" أكثر مما "تدرك" أنهم يعرفون أكثر مما يقولون، او يعترفون!!!

ويمضي الحديث عن "البلد" فتفاجأ، مثلا، بولي العهد يمسك بيدك ويشدّها قائلاً: "هذا بلدنا، نراهن عليه، على نهضته وعلى يقظته… لا تخافوا.. سنعمل كل شيء".
ويتجاوز هذا التأكيد صفة التعبير عن الصداقة الى صفة الوعد الرسمي عندما يكرر "خادم الحرمين" تأكيداً قاطعاً لا لبس فيه… ويستشهدك: "أنت شخصيا تعرف، وكل اصحابنا يعرفون.. اطلبوا تجدوا".

• • •

ويمضي جلالته، وهو خارج من مجلسه الاسبوعي الذي تجاوزت خلاله ساعات اعلانات البيعة التي تستمر، – وأحلاها تلك التي تقال بالشعر العامي وصوت متهدّج – وطلبات الناس العاديين (يتقدم واحدهم ليجلس على كرسي قريب من الملك، يضع يده في يده وهو يودعه مفكرة او عريضة، أو هو يربت على ركبته، وفي أرقى الحالات يطبع قبلة الولاء على كتفه، أو جبينه بحسب القبيلة التي ينتسب اليها).
بعد"المجلس" ينتقل الملك الى مكتبه حيث يتحلق أمراء ووزراء وكبار المعاونين. بينهم تحسّ أنك، كوريث تقليد "الديموقراطية المباشرة"، ابن عشيرة، فلا تستبعد ان يردد لك كل مَن سمع الكلام الملكي: "والله لبنان بلدنا".

وتدرك ان السعودية مرتاحة، بسبب من عروبتها واسلامها، الى واجبها في صون وحدة لبنان كما هو، بتركيبته الفريدة… وتكاد تظنّ انهم يرددون قول ميشال شيحا: "بتعددية عائلاته الروحية"!… ولا يحتاج واحدنا الى كثير فلسفة، بل بالأحرى فقط الى بساطة كيانية، ليدرك ان أشدهم اخلاصاً لهذا المفهوم هم الأقرب الى الروح في الدين، لا الى التعصّب للطائفة.
في السعودية اسلام عميق التجذّر في النفس الانسانية الحميمة، غير مكابر ولا مرهب… ولا مرتهب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل