المشهد في الشمال و"مأثرة" السابع من أيار
يوماً بعد يوم تتكشف نتائج جديدة لـ"مأثرة" السابع من أيار. فهي فضلاً عن نشرها الموت والدمار في الوطن، والفتنة بين المسلمين، في طول البلاد وعرضها، وزيادةً على إنعاشها التطرف، بكل أشكاله، فإن "وقائعها المجيدة"، هي التي رسمت مشهد ما بعدها، ولا سيما في الشمال، الأمر الذي سمح لبشار الأسد بوصفه زوراً بأنه بات قاعدة للتطرف.
صدمة السابع من أيار
بعد الصدمة التي أصيب بها اللبنانيون، في السابع من أيار، ولا سيما السنّة منهم، تصاعدت الدعوات للمطالبة بالتسلّح، بعدما ثبت أن القوى الشرعية ليست قادرة على حماية أرواح الناس وممتلكاتهم وكراماتهم، إذا ما وقعت الفتنة المسلحة. كان "الإعلام الحربي" ومشتقاته يركّز على "فشل"رئيس كتلة "المستقبل" النيابية النائب سعد الحريري في قيادة السنّة، بدليل أنه أوصلهم إلى "الهوان" الذي أذاقهم إياه "أشرف الناس".
في قريطم، كان الموقف صعباً للغاية، فالانسياق وراء مشاعر الناس الملتهبة سيقود إلى انهيار البلد، (وليس إلى الفتنة فقط، على اعتبار أن الفتنة كانت قد وقعت في تلك الأيام)، وبالمقابل فإن تجاهل ما جرى كان سيؤدي حكماً إلى تثبيت ما يروّجه "الإعلام الآخر" عن نظرية "الفشل القيادي"، وفوق هذا وذاك، فإن قرار المواجهة المسلحة أو إنشاء ميليشيا يعني التخلي عن مدرسة الشهيد رفيق الحريري وإرثه الوطني. حاول الحريري تحدي الخوف وخطر الاغتيال، فنزل إلى شوارع بيروت أكثر من مرة، داعياً أهلها إلى "رفع رؤوسهم" رغم الجراح، وأن يفخروا بأنهم هم الذين واجهوا الفتنة المسلحة بالصبر على ظلم ذوي القربى، وليس أولئك الذين استباحوا العاصمة بدعوى منع الفتنة، فيما لم يكن فعلهم إلا وقوعاً في فتنة، لا تزال البلد تدفع ثمنها لليوم.
في الشمال كانت المشاعر متأججة. توجّه الناس بعشوائية تجاه بعض المكاتب الحزبية، وكادت تقع مواجهات مع بعض "الواجهات السنيّة" التابعة لـ "حزب الله"، ثم ما لبث جرح جبل محسن ـ باب التبانة أن انفتح من جديد، ووقعت أحداث حلبا، وبات الجو مشحوناً للغاية على الصعيد المذهبي. كان من الطبيعي في جو كهذا أن تنتعش الجماعات الدينية عموماً، والتيارات السلفية خصوصاً. فهي أصلاً تعيش حالة من المدّ في كل العالم، فكيف إذا كان الناس محبطين وخائفين، ويبحثون عن خطاب "يشبع حاجتهم"، وعن بنى تنظيمية صارمة تحاكي واقعهم.
في هذه المرحلة ازدادت حركة "اللقاء الإسلامي" في طرابلس، وأعلن النائب السابق خالد ضاهر عن "المقاومة الإسلامية السنية للدفاع عن لبنان"، ولمع اسم المفتي الشيخ أسامة الرفاعي في عكار، والتفت الحالة السلفية حول داعي الإسلام الشهال، وازداد تسلح الناس أفراداً وجماعات للدفاع عن الذات والوجود، وأخذت "الجماعة الإسلامية" قراراً بإعادة إنشاء "مقاومة ضد إسرائيل" مستقلة عن "حزب الله" لـ "إعادة الاعتبار لمشروع المقاومة" نفسه بعد الذي أصابه من ارتكاس.
"تيار المستقبل" بين المواجهة والمصالحة
في هذا الوقت كانت التعبئة الإعلامية منصبة على دور "تيار المستقبل" في شحن الناس وتسليحها وتدريبها، وربط ذلك بالخلاف السوري ـ السعودي، دعماً وتمويلاً. كانت الأرضية تتهيأ لإدعاء النظام السوري بأن الشمال بات خطراً عليه، وأن المملكة العربية السعودية تريد تصفية حساباتها معه من خلال الجماعات الأصولية في الشمال.
وفي الواقع كان ذلك كله دعاية مضللة، فالجمعيات السلفية تتعامل مع جمعيات مشابهة (وليس مع حكومات)، في كل من السعودية والكويت، حصراً في الجانب الخيري والإغاثي والتنموي، ومنذ زمن بعيد، من أوائل أيام الوصاية السورية وإلى الآن، أما ازدياد شعبيتها فناتج عن أسباب عامة وخاصة، و"تيار المستقبل" بالمنطق السياسي متضرر من تعاظم نفوذها، لأنها تنافسه على نفس الساحة، وحالة الانسجام الراهن بينه وبين معظم التيارات الإسلامية غير العنفية، مرده إلى التداخل في المؤيدين، لا سيما بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وإلى الهواجس المشتركة في عمومها (وليس في تفاصيلها)، أما انتشار السلاح والتمذهب فهو "مأثرة" خالصة لـ "الأبطال المنتصرين" في السابع من أيار.
ومع ذلك فقد كان المطلوب من هذا "تيار المستقبل" بصفته، ممثلاً لغالبية السنّة في لبنان، القيام بخطوة ما، لتخفيف الاحتقان، فكانت المبادرة الموفقة للنائب سعد الحريري، والتي أنهت الاشتباك القائم، بلا أفق، بين السنّة والعلويين في الشمال. وبمقابل نجاح الحريري، فقد مني النظام السوري بخيبة أمل، هي الثانية بعد القضاء عسكرياً على "فتح ـ الإسلام"، ولهذا السبب جاءت المحاولة الثالثة، وعنوانها هذه المرة انتشار الأصولية، وتالياً الإرهاب في الشمال، وتشكيله خطراً على سوريا!.
حقيقة الأصولية في الشمال
محافظة الشمال منطقة ذات غالبية سنية كبيرة، ولا سيما في طرابلس وعكار والمنية والضنية. الغالبية الساحقة من سكانها تؤيد حالياً "تيار المستقبل"، كما تتمتع القوى الإسلامية المختلفة فيها بحيثية تمثيلية، إضافة إلى وجود جمهور لشخصيات وقوى أخرى على خصام مع "تيار المستقبل". وعلى الرغم من التضخيم غير البريء لحجم التيارات السلفية، فإن هذه التيارات لا تمثل سوى نسبة محدودة من أهل السنّة في الشمال، غير أن الأهم أن هذه التيارات ترفض كلياً العنف، ولديها مرونة سياسية بالقدر الذي سمح لأحد ممثليها محاولة صياغة وثيقة تفاهم مع "حزب الله"، كما سمح للشخصية الأبرز فيها، الشيخ داعي الإسلام الشهال، بنسج علاقات مع القوى الأساسية في الشمال، وصولاً إلى مباركة المصالحات ولا سيما بين التبانة وجبل محسن. فضلاً عن أن المحك الأساس كان الموقف من "فتح ـ الإسلام"، الإرهاب الحقيقي المصدّر من الخارج، حيث لم يجد أي من المقاتلين أو الفارين من مخيم نهر البارد عوناً لهم، وظل الموقف الصادر عن القوى الإسلامية المختلفة متمسكاً بإدانة ما أقدم عليه شاكر العبسي ومن معه.
وعليه، فإنه لا يصح على الإطلاق اتهام الشمال بالتطرف لمجرد ازدياد شعبية الإسلاميين فيه، على محدويتهم بالنسبة لعموم السنّة، لأن هذا الطرح، وما يستتبعه من أجواء أو أفعال هو غير إنساني أولاً، وغير واقعي ثانياً، فالتيارات الإسلامية المختلفة، التي يموج بها العالم حالياً، يستحيل محاصرتها بالعنف، بل إن العنف يعتبر أحد أهم الأسباب لتحوّل هذه التيارات من الفكر الديني إلى التطرف والإرهاب، في حين أن الأجواء المريحة، وإنزال العقاب العادل بمن يخطىء، فيما لو حصل ذلك فعلاً، من شأنه تقوية روح الاعتدال والتعايش، وتالياً حماية البلد من شر التطرف.
يبقى أن على مؤسسات الدولة، أو طاولة الحوار، أن تبحث في كيفية الاستفادة من طاقات الشباب الراغب بالدفاع عن بلده، بدل أن يترك نهباً لاستغلال أجهزة المخابرات المختلفة، أثناء توجهه إلى العراق أو أفغانستان، فبلده أولى به، والدفاع عن لبنان، شرف لجميع أبنائه وليس لفئة أو طائفة.